| | |

لاجئون في مخيم الجليل يروون حكاية الاقتلاع والتمسك بالعودة

حسين منصور – بعلبك

في الأزقة الضيقة لـمخيم الجليل، لا تزال حكايات النكبة حيّة في ذاكرة من عاشوا تفاصيلها الأولى، وحملوا معهم مفاتيح البيوت وأسماء القرى ووجع الرحيل منذ عام 1948.

ورغم مرور 78 عاماً على النكبة الفلسطينية، فإن كبار السن من اللاجئين الفلسطينيين في المخيم ما زالوا يستعيدون تفاصيل الرحلة القاسية من القرى الفلسطينية إلى المنافي، ويتمسكون بحق العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها قسراً.

ويُعد مخيم الجليل، المعروف سابقاً باسم “مخيم ويفل”، واحداً من أكبر تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في منطقة البقاع اللبناني، وينحدر غالبية سكانه من قرى وبلدات الجليل الفلسطيني، خاصة قرى قضاءي طبريا وصفد.

الخروج على أمل العودة بعد أيام

الحاج محمود منصور، المولود عام 1939 في قرية لوبيا بقضاء طبريا، يسترجع ذكريات التهجير الأولى بصوت تختلط فيه الحسرة بالأمل. يقول إن العائلات الفلسطينية كانت في موسم الحصاد وتجهيز “المونة” حين أجبرتهم الحرب على مغادرة قريتهم عام 1948.

ويضيف: “خرجنا إلى جنوب لبنان وكانت محطتنا الأولى مدينة بنت جبيل، وهناك كنا ننتظر العودة إلى لوبيا بعدما أخبرونا أن الغياب سيكون لأيام فقط، لكننا فوجئنا بالباصات تنقلنا إلى الداخل اللبناني، ومن ثم إلى عنجر في البقاع، وبعدها إلى هنا في مخيم الجليل”.

ويصف الحاج محمود قريته لوبيا بأنها كانت من أكبر القرى في المنطقة، موضحاً أن عدد سكانها آنذاك بلغ نحو خمسة آلاف نسمة، وكانت تضم مدرسة تُعد الأكبر في محيطها، فيما اعتمد الأهالي على الزراعة وتربية المواشي، وكانوا يجلبون مياه الشرب من نبع قرية حطين المجاورة.

وبرغم سنوات اللجوء الطويلة، يؤكد الحاج محمود أن فلسطين بقيت حاضرة في وجدانه، موجهاً رسالة إلى الجيل الجديد بالتمسك بالتعليم والقضية الفلسطينية، قائلاً: “اهتموا بدراستكم وتعليمكم، وتعلموا وجاهدوا حتى نرجع إلى فلسطين بهمتكم”.

النضال بقي طريق الفلسطينيين

أما الحاج أبو خالد صامد، من بلدة علما بقضاء صفد، فيقول إنه خرج من فلسطين وهو في الثانية من عمره، وكانت مدينة بنت جبيل أيضاً أولى محطات اللجوء لعائلته بسبب قربها من الحدود الفلسطينية.

ويروي أن كثيراً من الفلسطينيين كانوا يتسللون بعد النكبة إلى قراهم لجلب الطعام والمؤن من منازلهم التي تركوها خلفهم، في محاولة للتمسك بما تبقى من حياتهم السابقة.

ويؤكد أبو خالد أن حلم العودة لم يفارق الفلسطينيين رغم مرور العقود، قائلاً: “هدفنا فلسطين وتحريرها، وتطوعنا مع الفدائيين من أجل استعادة بلادنا”. ويضيف أن شقيقه استشهد خلال مسيرة النضال، الأمر الذي زاد العائلة تمسكاً بالقضية الفلسطينية، مشدداً على أن الشعب الفلسطيني “تربّى على النضال والتمسك بحق العودة”.

فلسطين كما يراها من عاشها

الحاجة أم سمير الزاهي، وهي من قرية لوبيا أيضاً، تتحدث بلهفة عن فلسطين التي غادرتها وهي طفلة في الثامنة من عمرها. وتقول إن الحياة هناك كانت مليئة بالخيرات، وإن الأهالي كانوا يعملون في الزراعة وقطف الزيتون ويعيشون بأمان واستقرار.

وتضيف بحنين واضح: “فلسطين جنة على الأرض، ولو متنا هناك لما خرجنا منها”.

وتوجه رسالة مؤثرة إلى الأجيال الفلسطينية الجديدة قائلة: “لا تنسوا بلادكم فلسطين، فهي جنة، ويسعد الله يلي خلق فلسطين”.

رضيعة نجت في طريق التهجير

ومن بين القصص الأكثر تأثيراً في المخيم، تروي الحاجة نايفة عبد الحليم حكاية نجاتها خلال رحلة التهجير من لوبيا، إذ كانت رضيعة لا يتجاوز عمرها شهراً واحداً عندما اضطرت عائلتها للنزوح.

وتقول إن والدتها، المنهكة من السير الطويل وحمل الأمتعة، وضعتها تحت شجرة لتستريح لبعض الوقت، لكنها غادرت دون أن تنتبه إلى أنها نسيتها هناك. وتتابع: “مرّ رجل على حصان ورآني، فقال لوالدتي: أنا سأساعدك بحمل الأغراض، وأنتِ احملي الطفلة”.

وتوضح أن الرجل بقي يرافقهم حتى وصلوا إلى بنت جبيل، حيث اجتمعت العائلة من جديد. وبرغم نجاتها، تقول الحاجة نايفة بحسرة: “يا ريت نرجع إلى فلسطين، ويا ريت بقيت هناك وما وجدتني أمي، وبقيت في بلادي”.

من الحقول إلى رحلة اللجوء

بدوره، يستعيد الحاج أبو فؤاد عبد الحليم تفاصيل الحياة الهادئة التي عاشها أهالي لوبيا قبل النكبة، قائلاً إن الفلسطينيين كانوا يعيشون “بنعمة كبيرة”، يمتلكون الأراضي ويزرعونها ويقضون أيامهم بين الحقول والمدارس.

ويقول: “كنت أخرج من المدرسة وأذهب إلى السهل لمساعدة جدي في الزراعة، وننقل المحاصيل إلى البيدر”.

لكن المشهد تبدل مع تصاعد هجمات العصابات الصهيونية على القرى الفلسطينية، حيث بدأ الأهالي بمحاولات التصدي لها بإمكانات بسيطة.

ويضيف: “كنا نرشقهم بالحجارة أثناء مرورهم قرب قريتنا، وكان جدي مع مجموعة من الفدائيين يحاولون مقاومتهم بأسلحة قليلة جداً”.

ومع تزايد الهجمات ووقوع المجازر، ومنها مجزرة مجزرة دير ياسين، اضطرت العائلات الفلسطينية إلى الهجرة نحو لبنان تحت وطأة الخوف والحرب.

وبين ذاكرة الاقتلاع وأمل العودة، تبقى حكايات كبار السن في مخيم الجليل شاهداً حياً على النكبة الفلسطينية، وعلى تمسك اللاجئين بحقهم في العودة إلى القرى والبلدات التي هُجّروا منها قبل 78 عاماً، مؤكدين أن الزمن لم ينجح في انتزاع فلسطين من ذاكرتهم، وأن الأجيال الجديدة ما زالت تحمل الرواية ذاتها جيلاً بعد جيل.

موضوعات ذات صلة