إذا كان مثيراً للإعجاب، أو الدهشة، أن يحتفظ الفلسطينيون في لبنان خلال 78 عاماً بذاكرتهم حول النكبة، وتاريخ حياة ومعيشة آبائهم وأجدادهم قبل ذلك في القرى والمدن التي هُجّروا منها، فإن الواقعية الواجبة أن يتنبّه هؤلاء لعوامل عديدة يمكن أن تهدّد بقاء تلك الذاكرة بطراوتها وحيويتها، وبعض الإشارات المقلقة بدأت تطلّ بقسوة على هذا الواقع.
التاريخ الشفوي
استند الفلسطينيون في إنعاش ذاكرتهم حول النكبة، وموطن أسلافهم، إلى التاريخ الشفوي بشكل خاص، وبالرغم من وجود كتابات جادّة وتفصيلية حول يوميات تلك النكبة، ومن أهمها يوميات أكرم زعيتر، ونكبة بيت المقدس والفردوس المفقود لعارف العارف، وكليهما كانا فاعلين في تلك المرحلة، إلا أن هذه الكتابات وغيرها الكثير لم تكن كافية في مسار بقاء الذاكرة الشعبية واستمرارها.
فأخبار المعارك كانت تُنقل بتفاصيلها إلى الجيل الثاني متضمنة أسماء من استُشهد من الأقارب، مع وصف القرية، وكيفية حصولها على السلاح، من خلال حكايات مباشرة على لسان من عاشوها، وهو ما يمنح حماسة للسامع، ويقرّبه أكثر من الأحداث.
فقد يكون مثلاً الرقم الذي ذكره المؤرخ الإسرائيلي بني موريس إنَّ سلطات بلاده الأمنية قتلت بين 3000-5000 فلسطيني حاولوا اجتياز الحدود للوصول إلى قراهم بين العام 1948 والعام 1956، رقماً جامداً، لكن التاريخ الشفوي لأهالي قرية شَعَب المهجّرين ستدفع إليه دماً، حين يتذكرون الشهداء وحتى المصابين أمثال أحمد مصطفى طه، ممّن حاولوا الوصول إلى القرية خلال تلك الأعوام.
الأدب والتاريخ الشعبيان، خصوصاً الأغاني والعتابا والفنون والأمثال، كلّها هي الأخرى نقلها الفلسطينيون شفوياً، وصنعوا رموزهم من تلك الحكايات، فكانت جفرا، والتغني بليالي الحصاد، والحفاظ على طقوس الأعراس من الحمّام إلى الحلاقة وسهرة الحنّة، وما يرافق ذلك من زغاريد.
صحيح أنه بعد أوسلو نشطت بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ظاهرة الكتابة عن القرى الفلسطينية والأحداث الكبرى ما قبل العام 1948 كآلية دفاعية ضد المخاوف من تهميشهم، لكن ذلك لا يغني عن القصة الخاصة بكل لاجئ: عائلته في فلسطين، كيف تفرّقت، بيته، كرمه. وتزداد الصعوبة أن الجيل الذي شهد النكبة، ويعي أحداثها، لا يتعدّى عدد أفراده الباقين العشرات.
لتلافي هذا المأزق، كانت هناك دعوات خلال السنوات الماضية لبذل جهد بأن يكون لكل لاجئ روايته المرتبطة بفلسطين، نجحت مؤسسة “هُوية” جزئياً من خلال اطلاعها على الأرشيف العثماني والإسرائيلي والخاص لعدد من العائلات، لكن ضعف الإمكانيات حال دون تحقيق الهدف كاملاً، وإن كان الرهان ما زال قائماً بأن تكون هناك قدرة على تدوين التاريخ الشفوي لكل عائلة على حدة.
دور الثقافة
لعبت الثقافة دوراً تاريخياً في حماية الذاكرة من خلال مؤسسات متخصصة، ونخب فاعلة، وميادين متنوعة، فعلى صعيد السينما يمكن ملاحظة أكثر من 1300 فيلم يورد أسماءها قيس الزبيدي في كتابه “فلسطين في السينما” بجزأيه. وانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في العام 1965 رافقها انبعاث السينما الفلسطينية من خلال “وحدة أفلام فتح”، ثم في العام 1968 تأسست “مؤسسة السينما الفلسطينية”، وبرزت أسماء عديدة.
فلم تكن مبالغة من الناقد الفرنسي سيرج لوبيرون حين وصف السينما الفلسطينية بأنها “جزء لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية، ذاكرة انفجرت في الزمان والمكان، شظايا صغيرة، قطعا من أفلام ومن صور وأصوات محفوظة في علب يصعب التعرف عليها، وضع عناوينها أناس آخرون. نتف من حكايات التقطتها أشرطة، يجب إعادة تجميعها وتصنيفها وحفظها، لأنها برهان على وجود له ماض وعلامة هوية وتاريخ بحد ذاته”. لكن هذه السينما بدأت تتراجع بموضوعاتها، وحجمها، مع خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في العام 1982.
وما يُقال عن تراجع السينما ودورها في حفظ الذاكرة، يمكن الحديث كذلك عن الفن التشكيلي الذي عرف ذروة مجده مع إسماعيل شموط، ومحمد عبد السلام، وتوفيق عبد العال قبل أن يخفت دوره، كما فن الرواية الذي كان انحسر فلسطينياً في لبنان مع رحيل سميرة عزام ثم غسان كنفاني. ولا يمكن إغفال الإهمال الذي طرأ على المتاحف الفلسطينية في لبنان، وهي التي أقيمت بجهد فردي، وهي ثلاثة متاحف: متحف الذكريات (مخيم شاتيلا)، والمتحف الفلسطيني (المعشوق)، ليوان ميعاري (صيدا)، وكلها متاحف جدية، لكنها مهددة بالضياع. فالثقافة الحاملة للحكاية الفلسطينية، والمؤثرة تأثيراً مباشراً على الذاكرة، لا تلقى اهتماماً واعياً بأهميتها.
الفصائل والأونروا
أهملت الفصائل الفلسطينية التعبئة والثقافة والتوعية، وبدا العمل العسكري مهمّة وحيدة على حساب القضايا الأخرى. ويُقر تقرير نقدي صادر عن الجبهة الشعبية في العام 1972 بهذه الحقيقة، من دون أن يطرأ تغيير يُذكر على هذا السلوك، فيقول التقرير “إن ما أفسد المقاومة المسلحة هو تمجيد الاستشهاد، والتغني بالبطولات الانتحارية، وروح المغامرة، والعجز عن التعلم من الخبرات السابقة، إضافة إلى ذلك فقد قدّمت التنظيمات الفدائية الأنشطة العسكرية على حساب التعبئة السياسية والاجتماعية للجماهير”. ولعلّ ذلك أفقد الذاكرة الفلسطينية الكثير من حصانتها المفترضة، بل كان له التأثير الأكبر في تهديد حضورها.
بالرغم من أن الأونروا منذ تأسيسها في العام 1949، تعمل في مؤسساتها على منع الترويج الواضح للقضايا الوطنية، خصوصاً ذات الطابع الثوري المباشر، إلاّ أن ذلك لم يمنع من وجود قيادات وطنية كانت تعبّر عن مصالح الفلسطينيين، وتسعى لحفظ ذاكرتهم، وتتجاوز حتى الخطوط الحمراء التي وضعتها الأونروا في هذا السياق. لعل من أبرزهم دياب الفاهوم الذي سُجن في فلسطين لاتهامه بالمشاركة في اغتيال حاكم الجليل البريطاني لويس إندروز في العام 1937.
وحوّل الموظفون الوطنيون وكالة الأونروا إلى مركز لنشر الثقافة الفلسطينية، والحفاظ على الذاكرة من خلال كتب التاريخ والجغرافية الفلسطينية، والقَسَم الصباحي: “فلسطيننا لن ننساك/ ولن نرضى وطناً سواك”، والكثير من الأنشطة الوطنية. لكن في عام 2021، ومع صدور قانون الحيادية، وفصل عشرات المعلمين، بسبب نشاطهم الوطني، حُرم الطلاب من أهم رافد لذاكرتهم وثقافتهم الوطنية.
شكّلت المخيمات الفلسطينية مساحة حاضنة للذاكرة الفلسطينية بكل تفاصيل، فالأحياء تحمل أسماء القرى التي هُجّر منها أهلها، والجدران أقرب إلى بيانات سياسية، والحواري تحفظ أحداثاً متصلة بالقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى أن المخيم هو عنوان سياسي لتلك القضية، وكل تلك التفاصيل، مع غيرها، جعلت من المخيم هوية فرعية حاضرة في معيشة السكان وسلوكهم.
ويُخشى أن تكون المخيمات الفلسطينية هدفاً للاحتلال في حربه على الذاكرة وعنوان المخيم، خاصة أنَّ الاحتلال أعلن حربه على اللاجئين ومخيماتهم، ابتداء من الضفة، وتجريفه جزءاً من مخيمات طولكرم وجنين ونور شمس، وصولاً إلى غزة واستهدافه لمخيماتها من جباليا إلى رفح.
خشية لا تحمل أية مبالغة، إذا ذُكرت ثلاثة مخيمات في لبنان أُزيلت بالفعل: تل الزعتر، وجسر الباشا، والنبطية، ومخيم رابع لم يعد يشكّل فيه الفلسطينيون سوى الثلث، وهو مخيم شاتيلا، وخامس يشكلون فيه النصف، وهو مخيم برج البراجنة. ويمكن إضافة أن المعارك الميدانية في الجنوب لم تعد تبعد عن ثلاثة مخيمات سوى كيلومترات عدة.
التحديات التي تهدد الذاكرة الفلسطينية في لبنان كثيرة، والاستنفار لمواجهتها لا يبدو مهمة مستحيلة، إذا أخذنا بعين الاعتبار خبرة 78 عاماً في حراستها، لتقوم بدورها في حفظ الحكاية.