|

النكبة.. حين يتحوّل اللجوء إلى وطنٍ مؤقت

ثمانية وسبعون عاماً مرّت على النكبة الفلسطينية لكنّ الفلسطيني في لبنان لا يتعامل معها كذكرى بعيدة في كتب التاريخ بل كواقع يومي يُعاد إنتاجه مع كل أزمة ونزوح وخوف جديد.. فالنكبة التي بدأت عام 1948 بتهجير مئات آلاف الفلسطينيين من قراهم ومدنهم لم تتوقف فعلياً داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان حيث ما زالت حياة اللجوء تُثقل تفاصيل الناس وتحوّل “المؤقت” إلى عمرٍ كامل.

من مخيم نهر البارد شمالاً إلى الرشيدية أقرب المخيمات الفلسطينية إلى الحدود جنوباً، لا يعيش الفلسطيني فقط أزمة اقتصادية أو اكتظاظاً سكانياً بل قلقاً دائماً من فقدان المكان الوحيد الذي بقي له بعد فلسطين.

المخيم.. البيت الأخير لفلسطين

بالنسبة للاجئين الفلسطينيين لا يُختصر المخيم بمجموعة أبنية متلاصقة أو شوارع ضيقة بل يُشكّل المساحة الأخيرة التي حافظت على الذاكرة الفلسطينية في المنفى.. فهناك ما زالت أسماء القرى المهجّرة تُتداول يومياً وتُعلّق مفاتيح البيوت القديمة على الجدران فيما يكبر الأطفال على حكايات العودة أكثر مما يكبرون على فكرة الاستقرار.

ورغم قسوة الحياة داخل المخيمات، بقيت بالنسبة لكثيرين مساحة تحفظ الهوية والانتماء وتربط الأجيال الجديدة بفلسطين التي لم يروها يوماً، لكنها تعيش في تفاصيل حياتهم اليومية.

نزوح جديد والنكبة تتكرر

لكن السنوات الأخيرة حملت شكلاً جديداً من النكبة داخل لبنان نفسه..
فالاشتباكات المتكررة في بعض المخيمات إلى جانب التصعيد العسكري في الجنوب اللبناني دفعت مئات العائلات الفلسطينية إلى النزوح مجدداً في مشهد أعاد إلى الأذهان صور التهجير الأولى.

عائلات خرجت من منازلها على عجل وأطفال ناموا في مدارس ومراكز إيواء وأحياء كاملة باتت شبه فارغة بعد موجات الإخلاء المتكررة وفي كل مرة يعود الفلسطيني ليواجه السؤال نفسه: إلى أين يمكن أن يذهب اللاجئ حين يفقد حتى المكان الذي لجأ إليه؟ وبالنسبة لكثير من الفلسطينيين في لبنان فإن الخوف من فقدان المخيم لا يقل قسوة عن الخوف الذي حمله الأجداد يوم اقتلعوا من فلسطين.

الأونروا: تراجع الخدمات وسط تصاعد المعاناة

وفي وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والإنسانية داخل المخيمات تتزايد شكاوى اللاجئين الفلسطينيين من تراجع خدمات وكالة الأونروا، سواء على المستوى الصحي أو الإغاثي أو التعليمي.. ويقول كثير من سكان المخيمات إنهم يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الفقر والنزوح والخوف خصوصاً مع غياب الاستجابة الكافية للأزمات الأخيرة التي طالت اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

ومع كل أزمة جديدة تتسع فجوة القلق لدى الفلسطينيين ليس فقط من الواقع المعيشي الصعب بل من فقدان الحد الأدنى من الأمان الإنساني داخل المخيمات التي كانت رغم كل شيء الملاذ الأخير لهم.

النكبة التي لا تنتهي

بعد ثمانية وسبعين عاماً لم تعد النكبة بالنسبة للفلسطيني في لبنان مجرد قصة يرويها الأجداد بل واقعاً يومياً يعيشه الأبناء والأحفاد أيضاً..
من التهجير الأول إلى النزوح المتكرر ومن فقدان الوطن إلى الخوف على المخيم تستمر الحكاية الفلسطينية مفتوحة على ألمٍ لا ينتهي وعلى تمسّكٍ لا ينكسر بحق العودة مهما طال الزمن.

موضوعات ذات صلة