في الأزمات والأوقات العصيبة تُقاس قيمة الاتحادات، كاتحاد عاملى الاونروا، لا بعدد البيانات (وهى شحيحة للغاية)، بل بقدرتها على حماية العاملين، والتواصل معهم، واحترام عقولهم. أما أن يختفي اتحاد العاملين في الأونروا خلف جدران الصمت، ثم يطل بين الحين والآخر للتباهي بإنجازات هامشية وببيانات إنشائية فهذا مدعاة للحزن، وربما لكثير الغضب!
منذ أشهر، يعيش موظفو الأونروا تحت ضغط غير مسبوق: خصم 20٪ من الرواتب، التهديد المستمر بالتقليصات، الغموض حول مستقبل الوكالة، وفوق ذلك كله، الخوف من أن يتحول العامل نفسه إلى رقم فائض عن الحاجة. ومع ذلك، يبدو الاتحاد وكأنه اختار سياسة “إدارة الصدمة بالصمت”.
قبل أسابيع، جرى تسويق اجتماع مع القائم بأعمال المفوض العام وكأنه إنجاز استثنائي. لكن الحقيقة أن الرجل يشغل موقعاً مؤقتاً، لا يملك قراراً حاسماً، ويبدو حذراً إلى حد الشلل خشية إغضاب مراكز النفوذ المرتبطة بملف اختيار المفوض العام القادم، وهو نفسه أحد المرشحين له!!
بعد الاجتماع ورفع غير منطقي للتوقعات تلقى الموظفون من اتحادهم جرعة جديدة من “المورفين المؤقت”: وعود عامة، لغة مطاطة، وبيان باهت يعد ببيان تفصيلي لاحق لم يأتِ حتى الآن. وكما يقول المثل الشعبي: “هذا وجه الضيف”، عاد الاتحاد بعدها إلى صمته الطويل، تاركاً العاملين يتخبطون في القلق والإشاعات.
الأخطر أن ملفات مصيرية تُترك بلا مواجهة حقيقية: ماذا عن مصير أكثر من 650 موظفاً من العاملين في غزة الذين يواجهون الفصل أو الإقصاء الوظيفي؟ ماذا عن الموظفين الذين ينتظرون صرف نسبة 15٪ من مدخراتهم كدفعة وحيدة تساعدهم على تسديد ديونهم والتزاماتهم المالية المتراكمة في ظل الانهيار الاقتصادي؟ ماذا عن رفع اقتطاعات التأمين وتقليص التغطيات في أحلك الظروف؟ الخ.
حتى لو كانت الأزمة السياسية أكبر من الاتحاد فهذا لا يبرر هذا المستوى من الترهل والانكسار وعدم احترام عقول ومشاعر العاملين. الموظفون لا يريدون بيانات إنشائية ولا بطولات ورقية. يريدون اتحاداً يتحدث معهم لا عنهم. الموظفون اليوم لا يشعرون بأن لديهم اتحاداً يقاتل عنهم، بل جسماً بيروقراطياً يخرج من سباته فقط لإصدار بيانات باردة أو تسويق لقاءات بلا نتائج. في لحظة يُخصم فيها 20٪ من الراتب، ويُترك موظفو غزة تحت شبح الفصل، ويُدفع العاملون إلى الاستدانة والمهانة لتأمين أبسط التزاماتهم، يصبح الصمت تواطؤاً والغياب تخلياً .
ان الاستمرار في إدارة الأزمة بعقلية العلاقات العامة، والتصرف وكأن الغضب سيتبخر مع الوقت لهو رهان خاسر. أخطر ما يمكن أن يخسره أي اتحاد ليس معركة مع الإدارة بل ثقة العاملين أنفسهم، وهذه الثقة تتآكل اليوم أسرع من أي خصم من الراتب.