ما الذي تنتظره السلطة الفلسطينية؟

الكاتبعز الدين أعرج

منذ سنوات طويلة، اختارت السلطة الفلسطينية مساراً ربّما صار في العقد الماضي أوضح من أيّ وقت مضى: الانتظار. كان هذا الخيار نتيجةً لعجز كامل، وربّما تعبيراً عنه في الوقت نفسه. انتظار الانتخابات الإسرائيلية، انتظار نتائج الانتخابات الأميركية، انتظار تحوّلات في المشهد العربي والإقليمي الأوسع، انتظار نهاية الحرب، وانتظار انفراجة محتملة لا أحد يعرف متى أو كيف يمكن أن تأتي. حدث هذا إلى درجة انتهى فيها دور السلطة من إدارة الواقع، إلى تجهيز نفسها لإدارة واقع جديد تنتظره.

صار هذا الانتظار السياسة الوحيدة في واقع بلا سياسة، وبدا وكأنّ السلطة في مرحلة انتقالية لا تنتهي. محلّياً، ولسنوات، كان إجماع على أنّ حقبة محمود عبّاس في أوقاتها الأخيرة، وأنّ هناك مرحلةً انتقاليةً قائمةً في انتظار ترتيبات جديدة. هيمن الصراع بين نُخب السلطة على “مرحلة ما بعد أبو مازن” على السياسة في الضفة الغربية.

عُلّق كلّ شيء إلى أن تأتي المرحلة الجديدة، التي لم تأتِ بعد. ما جاء كان حرب إبادة أسوأ من أيّ حرب عرفها الفلسطينيون، لم تغيّر كثيراً في استراتيجية السلطة، لكنّها غيّرت معنى المرحلة المقبلة التي تنتظرها. رأت السلطة مهمّتها في انتظار ما بعد الحرب، وتجهيز نفسها لما سيسمّيه الإسرائيليون “اليوم التالي”، الذي لن يأتي أيضاً.

وبدلاً من الاستجابة لأكبر مأساة في تاريخ الفلسطينيين على أيّ مستوى يعيد للسلطة فاعليتها السياسية، تحوّلت مهمّة السلطة الأولى إثبات قدرتها على لعب دور وظيفي أو أمني في “المرحلة المقبلة”. وفي ظرف إقليمي متفجّر، واهتمام دولي شبه منعدم بما تقوم به نخب رام الله، بدا وكأنّ المسعى الرئيس لإدارة محمود عبّاس (هل ما زالت كذلك؟) هو البحث عن أيّ دور في واقع جديد لا أحد فيه ينتظر منها أيّ دور.

وسرعان ما بدأت استراتيجية سمّاها الخطاب الرسمي “الإصلاحات الحكومية”. أقيل مسؤولون ورجال أمن، وعُيّن آخرون، ووُضعت خطط يتعهّد الرئيس محمود عبّاس، من وقت إلى آخر، بالتزامها، آخرها في خطابه في مؤتمر حركة فتح. هذا كلّه في انتظار مرحلة لم تأتِ.

يعرف الجميع في رام الله أنّه ليس عند السلطة الآن إلا الانتظار، انتظار المرحلة المقبلة. المرحلة التي يتغيّر معناها طوال الوقت، لكنّها لا تأتي أبداً، من “ما بعد أبو مازن” إلى “الكليشيهات” الإسرائيلية والأميركية عن اليوم التالي، ثمّ الوعود الغامضة عن انتخابات تشريعية ورئاسية، إلى انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

تواجه السلطة معضلةً حقيقيةً تهدّد وجودها، وهي تعرف هذا جيّداً؛ فالدور الوظيفي الذي صمّمت نفسها لتلعبه طوال الوقت، أي منع الأمور من الانفجار في الأراضي المحتلّة والحفاظ على وضع أمني راهن، لم يعد ذا أهمية بعد أن انفجرت الأمور بالفعل.

دولياً، اختارت واشنطن منذ وقت طويل التعامل مع أطراف عربية ووكلاء إقليميين لإدارة العلاقة مع الأراضي المحتلّة. كان هذا المسار قد بدأ سابقاً منذ صفقة ترامب – نتنياهو التي ربطت المسألة الفلسطينية بتفاهمات مع أطراف ليس الفلسطينيون ضمنهم.

إسرائيلياً، تصاعد نوعٌ من الشعبوية يرفض أيّ شكل من الوساطة في إدارة الضفّة الغربية أمنياً، وتصاعد الوجود الإداري والعسكري الإسرائيلي في الضفّة إلى درجة أصبح فيها حتّى الدور البيروقراطي للسلطة غير واضح. عربياً، ساهمت حرب الإبادة على غزّة في تدويل مشكلة إدارة الأراضي المحتلّة، ليبدو هذا أكبر من قدرة السلطة على القيام به. وحتى أطراف كانت تدعم السلطة بوصفها ثقلاً مضادّاً لنفوذ حركة حماس وشرعيتها، صارت لها حسابات مختلفة.

فهمت السلطة هذه التحوّلات إلى حدّ كبير، أو على الأقلّ فهم جزءٌ من الإدارة في رام الله. وهي الآن تتعامل مع مشهد يتقلّص بالمعنى الحرفي؛ إذ تستحوذ إسرائيل إدارياً وأمنياً على معظم المناطق التي يفترض أنّها تحت إدارة رام الله، وبالمعنى الاستراتيجي، إذ دخل لاعبون جدد، إقليميون ومحلّيون، في التنافس على الدور الوظيفي الذي برّر وجودها سنواتٍ.

فهمت السلطة هذه التحوّلات. لكنّ الفهم وحده لا يكفي، فالبنية التي تأسّست على دور وظيفي واحد لا تسمح بأيّ نوع من الفاعلية السياسية الآن. وعندما لا يحتاج أحد إلى هذا الدور، يصبح انتظار مرحلة مقبلة غامضة هو الحلّ، وتصبح الفاعلية السياسية الوحيدة هي التنافس مع آخرين على ما يمكن أن يأتي، وقد لا يأتي أبداً. أمّا الواقع، فمتروك لنتنياهو وحلفائه لتشكيله.

موضوعات ذات صلة