في كل عام، تعود ذكرى النكبة الفلسطينية لا باعتبارها حدثاً تاريخياً مضى وانتهى، بل بوصفها جرحاً مفتوحاً ما زال ينزف في قلب منطقتنا والعالم. فمنذ عام 1948، لم تتوقف الحروب، ولم تتراجع دوائر القتل، ولم يعرف الفلسطينيون استقراراً حقيقياً، لأن جوهر القضية بقي من دون حل: شعب اقتُلع من أرضه، ولاجئون حُرموا من العودة، واحتلال تمدد بالقوة خارج قواعد القانون الدولي.
بدأت النكبة بتهجير ما يقارب 750 ألف فلسطيني وتدمير أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية، لكن آثارها لم تتوقف عند حدود ذلك العام. فالقضية الفلسطينية تحولت خلال العقود التالية إلى واحدة من أكثر بؤر الصراع اشتعالاً في العالم، وشهدت المنطقة سلسلة حروب متلاحقة: حروب 1948 و1956 و1967 و1973، ثم اجتياحات لبنان، وحروب غزة المتكررة، وصولاً إلى أحداث السابع من اوكتوبر وما تبعها من حرب مدمرة على غزة، امتدت تداعياتها إلى جنوب لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا، وفتحت الباب أمام مواجهة إقليمية أوسع مع إيران.
وخلال أقل من عامين فقط، شهد الشرق الأوسط واحدة من أخطر موجات التصعيد في تاريخه الحديث. ففي غزة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين منذ تشرين أول/أكتوبر 2023 عشرات الآلاف، بينهم أعداد هائلة من الأطفال والنساء، فيما تعرض القطاع لدمار غير مسبوق طال البنية التحتية والمستشفيات والمدارس ومخيمات النزوح. وفي لبنان، تسببت المواجهات الحدودية والحرب الواسعة بسقوط آلاف الضحايا والجرحى ونزوح مئات الآلاف من المدنيين. أما المنطقة بأكملها، فقد دخلت مرحلة غير مسبوقة من التوتر العسكري والسياسي، مع تصاعد احتمالات الانفجار الإقليمي الشامل.
لكن الخطأ الأكبر في قراءة هذه الأحداث يتمثل في التعامل معها كوقائع منفصلة، أو كحروب عابرة مرتبطة فقط باعتبارات أمنية أو عسكرية آنية. فالحقيقة أن جذور هذه الانفجارات تعود إلى القضية ذاتها التي لم تُحل منذ النكبة: استمرار الاحتلال، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير، وتجاهل قواعد العدالة الدولية.
لقد أثبتت العقود الماضية أن المقاربة الأمنية وحدها فشلت في إنتاج الاستقرار. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، خاضت حروباً متكررة منذ تأسيسها، ولم تنجح في إنهاء الصراع أو تحقيق الأمن الدائم. وفي المقابل، لم تؤدِ سياسات الحصار والقتل والتوسع الاستيطاني والعقوبات الجماعية إلا إلى مزيد من الغضب والانفجار وعدم الاستقرار.