أسطول الصمود في بحر من النفاق

الكاتبوائل قنديل

سوف تُبحر قوافل أخرى صوب غزّة، وسوف يهاجمها قراصنة البحر لصوص الأرض، وينكّلون بالأبطال الإنسانيين الذين لا يكفّون عن المحاولة، وسوف يأتي العالم المُنافق لكي يُندّد بمُمارسات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ المشاركين في أسطول الصمود، وسوف يتسابق العرب والعجم في الإدانة والشجب والاستنكار للأعمال الشريرة المُرتكبة بحقّ سفراء الضمير الإنساني الذين اعتقلتهم السلطات الصهيونية وأهانتهم وعذّبتهم.

نعم، هذا العالم مُنافقٌ لأنّه يغضّ البصر عن الفظائع اليومية بحقِّ المحاصرين في قطاع غزّة، ويتعاطى معها أنها واقع مُستقر لا سبيل لتغييره، ولا يتذكّر مأساتهم إلا مع القبض على نشطاء أوروبيين في عرض البحر واقتيادهم مُكبّلين إلى مراكز الاعتقال الإسرائيلية في ظروفٍ غير إنسانية، هنا فقط تنشط الدبلوماسيات الغربية وتستدعي سفراء الاحتلال، وتستنكر أفعال وزرائه الذين يشرفون على عمليات التعذيب النفسي ضدّ الذين أبحروا قاصدين كسر الحصار عن غزّة.

يعلم نبلاء الصمود الإنساني أنّ الاحتلال سوف يهاجم سفنهم وقواربهم في عرض البحر، في المياه الدولية والإقليمية للدول المُطلّة على “المتوسّط”، ويدركون قبل أن يتحرّكوا أنّ القرصان ينتظرهم بكامل أدوات الإجرام، لكن هذا كلّه لا يثنيهم عن تكرار المحاولة المحكوم عليها بالفشل، بمنطق أولئك الجالسين على مقاعد العجز المُتواطئ ممّن يستغربون الإصرار على اجتراح المحاولة المستحيلة، فلماذا يخوضون المخاطرة إذن؟! والجواب باختصار أنّ هذه القوافل المُتعاقبة هي نداءات وصرخات بوجه حكومات شريكة في الصمت والاعتياد في جريمة الحصار على غزّة، تذكيراً للعالم بأنّ كسر الحصار المفروض على شعب واقع تحت الاحتلال يجب أن يكون من نقطة توقّف هذه الحكومات عن التعامل مع هذا الإجرام المُدان بأحكام قضائية وقرارات أممية من أعلى  المحاكم والهيئات الدولية.

هي صرخة في وجه النفاق المُختبئ خلف ادّعاء العجز الذي يوجّه انتقاداته إلى أشخاصٍ في الكيان الصهيوني، مثل وزيري الأمن إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش، على مشاركتهما في تعذيب النشطاء الدوليين وإهانتهم، وكأنّنا بصدد ممارسات وانتهاكات فردية، وليست جريمة نظام وحكومة أعلنت على لسان رئيسها، مجرم الحرب المطلوب للاعتقال بأمر “الجنائية الدولية”، أنّها جهّزت قوّاتها للانقضاض على سفن أسطول الصمود في المياه الدولية، ومنعها من الاقتراب من شاطئ غزّة. وهنا يكمن نفاق العالم نفسه الذي سمح باغتصاب أرض دولة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ اسمها فلسطين ومنحها لمجموعة من اللقطاء والقراصنة الذين تخلّصت مجتمعاتهم الأصلية من شرورهم بمساعدتهم على سرقة وطن لشعب آخر، وها هو هذا العالم المُنافق يرضخ لإجرام الذين سرقوا الأرض ويقبل بهيمنتهم على المياه الدولية، ويتصرّف فيها تصرّف المالك المسيطر. السؤال هنا: كيف لم يحاول أحد في هذا العالم أن يؤمّن سفن الأسطول، ويسبغ عليها الحماية في المياه الدولية أولاً، وفي المياه الإقليمية لدول المتوسّط التي تمرّ بها الرحلة؟

هذا العالم هو نفسه الذي يعتبر ممارسة إيران حقهّا في عدم استخدام أعدائها مضيق هرمز في العدوان عليها جريمة تمسّ بالأمن الدولي وكرامته، رغم أنّ المضيق في نطاق مياه إيران الإقليمية، لكنّه لا ينزعج من تغوّل الكيان الصهيوني على المياه الدولية، واعتدائه على كلّ من يحاول كسر حصار أكثر من مليون إنسان يعيشون تحت القصف اليومي من دون غذاء أو دواء أو مياه أو سكن يأويهم.

جيّد أن يندّد بعضهم بالانتهاكات البشعة بحقّ رسل الصمود الإنساني، ومطلوب هذا الاستنكار للأخلاقيات المُنحطّة لمسؤولي كيان قام بالأساس على فكرة غير أخلاقية. ولكن من دون إجراءات عملية تترجم الاستنكار والإدانة والتنديد إلى فعل رادع، يبقى هذا الاستنكار يبقى جزءاً من منظومة غير أخلاقية تكرّس واقعاً إجراميّاً، بل وتكافئه حين تتعامل معه، تجاريّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً، وتتسابق في إرضائه، الأمر الذي يشجّعه على التبجّح أكثر بإعلان نفسه مسطرة أخلاقية للحكم على المجتمع الإنساني كلّه، وادّعائه أنّه وحده المُمثّل للتفوّق الحضاري في منطقة موبوءة بالتخلّف والهمجية.

 مرّة أخرى، الأسوأ من الصهاينة في ادّعاء الأخلاقية أولئك العرب الذين يتعاملون مع هذا الوجود غير الأخلاقي، وغير القانوني، أنّه دولة طبيعية يتبادلون معها التمثيل الدبلوماسي والتعاون التجاري، ويسمحون برفع أعلامها في عواصمهم، ولا يزالون يحتفظون بعلاقاتٍ اقتصاديةٍ وسياسية معها، ويرهنون أنفسهم لمشيئتها فتظلم مدنهم وتتعطّل مصانعهم إن مَنعت “إسرائيل” عنهم الغاز.

موضوعات ذات صلة