حرب الإبادة تحيي القضية

انطلقت عملية طوفان الأقصى نتيجة لفشل مسار المفاوضات ولممارسات إسرائيل تجاه الأقصى والاعتداءات المستمرة على الأسرى في السجون، وزيادة وتيرة الاستيطان في الضفة، بالإضافة إلى الحصار المطبق على القطاع منذ سنة 2006، حيث قامت إسرائيل بأكثر من خمس حروب على القطاع في سنوات”2008، 2012، 2014، 2019، 2021″ قبل السابع من أكتوبر 2023. لقد صرح القائد يحيى السنوار قبل عام تقريبًا من الطوفان بأنه “سوف نأتي إليكم إن شاء الله في طوفان هادر”. وقد تبين لاحقًا بأن السنوار كان يعني حرفيًا ما صرح به، أي أن معركة الطوفان لم تكن وليدة الصدفة، وإنما تم الإعداد لها بسرية وحنكة واستعداد قتالي.
تختلف معركة طوفان عن سابقاتها من الحروب في عدة نقاط أبرزها، الأسلوب المستخدم من قبل المقاومة في مواجهة الاحتلال؛ حيث تم استخدام عنصر المفاجأة والمواجهة المباشرة، فقد تم اقتحام المستوطنات، وأسر المئات من المستوطنين والجنود، وقد اعترفت إسرائيل بفشلها في التنبؤ بهذا الهجوم.
ومن أهم نتائج المعركة على المستوى العالمي، هو تغيير صورة إسرائيل وفضح جرائمها بحق الفلسطينيين، حيث عريت ديمقراطيتها المزيفة وظهرت بمظهر المجرم قاتل الأطفال والنساء، وتم فضح السردية الإسرائيلية التي كانت على مدار ست وسبعون سنة تصف الشعب الفلسطيني والثورة والمقاومة في الإرهاب، حتى جاء الطوفان الذي أعاد القضية الفلسطينية والرواية الوطنية الفلسطينية على الطاولة الدولية، وأعاد التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني حيث انهالت الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، وانهارت صورة الجيش الذي لا يقهر، حيث اقتصرت أهداف حرب الإبادة على استهداف المدنيين والمباني من مدارس ومستشفيات ومساجد وكنائس وأماكن لجوء، دون قدرة إسرائيل على تحقيق أي هدف من أهدافها.
لقد وضعت إسرائيل عددًا من الأهداف لعمليتها العسكرية على القطاع ومن أبرزها إسقاط حكومة حماس وتدمير قدراتها العسكرية، والقضاء على التهديد الصادر من قطاع غزة ضد إسرائيل وحماية حدودها، وتحرير الرهائن. إلا أن الجنرالات الإسرائيليين المتقاعدين، والصحفيين ورؤساء الوزراء السابقين ووزراء الحرب الذين، قد صرحوا بأن هذا الهدف يستحيل تحقيقه، وأن صورة إسرائيل أصبحت منبوذة ولا يمكن محوها.
فصمود المقاومة ضد الضربات الإسرائيلية وضعت الحكومة الإسرائيلية في زاوية التناقض، فالمعارك البرية لم تحقق الهدف منها، بل على النقيض كبدتهم خسائر بشرية ومادية، وأججت الرأي العام العالمي على همجية المجازر التي تقوم بها ضد المدنيين العزل. وعليه قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطرح خطة من أجل إنقاذ إسرائيل من إسرائيل، ومحاولة إعادتها إلى الحاضنة الدولية، ووقف الاعترافات بالدولة الفلسطينية ومحاكمة ومحاسبة إسرائيل، ومنع تدويل القضية الفلسطينية، وذلك بوقف الحرب دون تحقيق أي هدف من أهدافها، فإسرائيل الآن بحاجة إلى ترميم صورتها عالميًا، واستعادة ثقة الشارع الإسرائيلي بالجيش والحكومة.
فإسرائيل وعلى مدار أكثر من عامين فشلت فشلًا ذريعًا بإعادة الرهائن من خلال عملياتها العسكرية، ولم تحقق أيًا من أهدافها المعلنة، وأخفقت في القضاء على المقاومة. وكشفت الحرب نقاط الضعف عند الجيش الإسرائيلي ومن أبرزها الروح المعنوية المنخفضة لدى الجنود ورفض الخدمة من قبل الاحتياط والانتحارات في الجيش، وتفاقم الخلافات السياسية بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، بالإضافة إلى الخلاف بين المستويين العسكري والسياسي فيما يتعلق بإدارة الحرب، وضعف الجبهة الداخلية وعدم قدرتها على تحمل الضغط والخسائر البشرية والمادية.
كما كشفت الحرب أن إسرائيل لو لم يتم دعمها من قبل الولايات المتحدة في ظل غياب موقف عربي وإسلامي داعم للقضية الفلسطينية لانهزمت إسرائيل من بداية الحرب. لقد أثبتت هذه الحرب أن الخلاص من الاحتلال ممكن، فعلى الصعيد الفلسطيني، أعادت الحرب للفلسطيني ولمناصريه الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على الانتصار ودحر الاحتلال، وحررت العقل العربي والإسلامي من وهم التفوق الإسرائيلي. وعلى الصعيد الدولي تم إحياء القضية الفلسطينية وكشف صورة إسرائيل القبيحة. وعلى الصعيد الإسرائيلي، أفقدت هذه الحرب المجتمع الإسرائيلي الثقة في نفسه، وفي قيادته العسكرية والسياسية مما سيكون له آثار كبيرة في المستقبل.
كما أثبتت الحرب أن التطبيع والعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل لن يجلب السلام، وإن الخيار الوحيد من أجل ضمان الاستقرار والأمن هو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. وهذا يثبت للدول المطبعة مع إسرائيل بأنها غير قادرة على تحقيق الأمن لنفسها فكيف يمكن أن تشكل سندًا لأي من دول المنطقة.
لقد أبدعت المقاومة خلال حرب الطوفان باستخدام الأنفاق، وهذا باعتراف القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، حيث نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن تدمير الأنفاق هو محض خيال، على الرغم مما تخصصه إسرائيل من ميزانية لتدميرها، وكشف المسؤول أن الولايات المتحدة قدمت لإسرائيل مبلغًا قدره 320 مليون دولار من أجل تدمير الأنفاق لكن دون فائدة، واصفًا أنفاق القطاع بمدن تحت الأرض.
وقد أثبت الطوفان أن المقاومة هي الطريق الذي يجمع عليه الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه، وأن الحديث عن عملية سلام بدون سقف زمني وبدون الإقرار المسبق بالدولة الفلسطينية، سيمكن دولة الاحتلال من تحقيق برنامجها في ضم الضفة وحسم الصراع على القدس والإبقاء على الفلسطينيين في معازل تمهيدًا للخلاص منهم، إلا أن حرب الإبادة ستعمل على ظهور جيل جديد أكثر إيمانًا بالمقاومة وأكثر استعدادًا للتضحية، فعمليات التطهير العرقي التي شاهدها هذا الجيل للشعب الفلسطيني في غزة لن تُمح من ذاكرته، وسيكون أكثر صدامًا مع دولة الاحتلال.
ويمكن الخروج في الاستنتاج الذي يؤكد أن حرب الإبادة أسقطت نظرية الجيش الذي لا يهزم، حيث أثبتت فشل إسرائيل الأمني والاستخباراتي والعسكري. بالإضافة إلى ضعف جميع الاحتياطات والتحصينات والجدران والتكنولوجيا التي استخدمتها إسرائيل للحفاظ على أمنها. وكل ذلك قامت به حركة مقاومة محاصرة منذ ما يزيد على عقد ونصف، حيث أثبتت لإسرائيل أنه ليس بإمكانها الاستمرار باحتلال الأرض دون دفع الثمن، ومهما ارتكبت من جرائم ومجازر بحق الشعب الفلسطيني لن يرفع الراية البيضاء، وسيواصل مقاومته حتى نيل حقوقه المشروعة وتحرير الأسرى. كما أعادت معركة الطوفان القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية وعرت ممارسات الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي، مما أثر سلبًا على إسرائيل وأمريكا. كما أكدت المعركة للعالم بأسره تمسك الشعب الفلسطيني وعدم تخليه عن ثوابته وعدم قبوله بأي اتفاق قد يحرمه من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

د. عقل صلاح

موضوعات ذات صلة