كَثُرَ في الأيّام والساعات الأخيرة الحديث عن التوصل إلى اتفاق نوايا أو إطار إيراني أمريكي بوساطة باكستانية ودعم خليجي تركي مصري وحتى صيني لهذه الوساطة، وربّما تمّ تذليل آخر العقبات التي كانت تقف أمام هذا الاتفاق خلال الزيارة السريعة والخاطقة التي قام بها رئيس أركان الجيش الباكستاني القائد، عاصم منير، إلى طهران، وكان سبقه وزير الداخلية الباكستاني الذي أمضى في العاصمة طهران بضعة أيّام للغاية ذاتها.
حتى لحظة كتابة هذا المقال لم يكن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أعطى جوابه النهائي على مشروع الاتفاق بل أشار إلى أنّ نسبه الموافقة والرفض تكاد تكون 50% لكلّ منهما، مع مَيْل واضح إلى إمكانية التوقيع والقبول وإنهاء الحرب.
الحديث الآن راح يفسّر نقاط الاتفاق التي ما زالت غير رسمية حتى لحظة إعلانه بشكل رسمي هذا إذا لم يكن له ملاحق سريّة. والجميع في إيران وفي أميركا وفي غيرهما بدأ يرسم شارات النصر لنفسه والهزيمة لخصمه وعدوّه، ويفسّر نقاط الاتفاق بما يسمح له بتأكيد انتصاره وفرض شروطه. والحقيقة أنّ هذه المواجهة التي استمرّت لأكثر من ثمانين يوماً من القتال الحربي ومن الدبلوماسية، وسقط فيها قادة كبار، وتمّ تدمير أجهزة ومعدّات عسكرية ومدنية لدى كلا الجانبين، وفُرض خلالها حصار بحري على السفن وناقلات النفط، وجرى ما جرى، لم يكن فيها منتصر أو مهزوم.
أميركا ألحقت بإيران خسائر فادحة على المستوى البشري والقيادات والعسكر والمنشآت الحيوية وغيرها؛ وإيران ألحقت بأميركا خسائر لها علاقة بسمعتها فضلاً عن الجانب المعنوي والمادي المتصل بالاقتصاد على وجه التحديد؛ كما ألحقت بشريكة أميركا في هذه الحرب، “إسرائيل”، خسائر مهمّة من خلال الصواريخ البالستية التي كانت تستهدف القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتّلة؛ والأهم من كلّ ذلك أنّ إيران لم ترفع في هذه الحرب راية الاستسلام على الرغم من فقدانها قيادتها والصف الأوّل منهم في اللحظة الأولى للهجوم الأمريكي الإسرائيلي. لقد كان الصمود الإيراني واضحاً ومهمّاً، وظلّ الموقف متماسكاً خلال فترتي القتال والدبلوماسية، ولذلك لا يمكن الحديث عن منتصر أو مهزوم في الحرب التي أنّه يصحّ تسميتها “جولة” قد يتبعها جولات.
غير أنّ الشيئ الأهم في هذه الجولة أنّ أميركا العميقة التي تريد الاحتفاظ بالتفرّد والهيمنة على رأس النظام الدولي حتى يبقى لها حريّة التحكّم به، استطاعت أن ترسي معادلة أرادتها للمنطقة حتى تظلّ محافِظة على التحكّم بها من خلال تشكيل نظام إقليمي جديد يقوم على أساس إرساء توازن بين مجموعة قوى إقليمية تخشى بعضها البعض، ولا تملك إمكانية الحسم في المنطقة لصالح أيّ طرف منها، وجميعها بحاجة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. بمعنى آخر، لم يكن هدف أميركا الحقيقي هو إسقاط النظام في إيران، ولا نشر الفوضى فيها، إنّما تقليم أظافر النظام الإيراني وإخضاعه عبر “خلق” شعور لديه بالحاجة إلى التفاهم معها بعد إيصاله إلى لحظة الشعور بالتهديد والخطر الوجودي على نفسه، وهو ما حصل حتى الآن.
بهذا الاعتبار لا يمكن الحديث عن نصر وهزيمة، بل يمكن الحديث عن استراتيجية شرعت في تحقيق ما تريد، بغض النظر عن الشكل الذي يمكن أن تبدو عليه الأمور أو أن تظهر به. ولتأكيد صوابية هذه النظرة يمكن أن نتذكّر أنّ رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو وآخرين معه في الحكومة تحدّثوا في وقت سابق عن تغيير شكل الشرق الأوسط والنظام القائم فيه لصالحهم من خلال إقامة “إسرائيل الكبرى” بين نهري النيل والفرات، ومن ثمّ اختفى هذا الموقف لاحقاً بشكل شبه كامل وسُحب من التداول لأنّ أميركا لا تسمح حتى لربيبتها “إسرائيل” بالهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية الإسلامية أو ما يُسمّى منطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي تختزن في أعماقها مخزوناً هائلاً من النفط واالغاز والثروات الدفينة التي لا غنى للعالم عنها في المديات المنظورة؛ كما فيها الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم، وقد شاهدنا مدى تأثير مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي؛ لأنّ هيمنة “إسرائيل” على النفظ والغاز وطرق التجارة البحرية يعني استغناءها عن أميركا، بل التحكّم بها.
أمّا بالنسبة للعرب والمسلمين في المنطقة فقد قادوا بأنفسهم الوساطة (باكستان بدعم مصري تركي سعودي) لتركيز وإرساء هذا التوازن لإدراكهم أنّ أيّ تغيير في موازين القوى الإقليمية سيكون على حسابهم، وشرعوا في تأسيس شكل من أشكال التعاون والتفاهم الذي سيرتقي لاحقاً بحكم الحاجة والقناعة أيضاً إلى تحالف يعزّز التوازن الإقليمي الذي يمكن أن يرسي حالة من الاستقرار النسبي لفترة زمنية طويلة أو قصيرة بانتظار ظروف دولية وعالمية أخرى.
لقائل أن يقول أو أن يسأل، وهل يعني ذلك أنّ “إسرائيل” باتت جزءاً من التوازن الإقليمي وأنّ العرب والمسلمين استسلموا لهذا الواقع وارتضوه، وبالتالي تمّ شطت القضية الفلسطينية من الوجود؟!
لا تبدو الأمور بهذا الشكل، فالجميع أدرك أنّ “إسرائيل” أضعف وأوهن من ذلك، غير أنّها تشكّل رأس حربة المشروع الغربي، والأمريكي حالياً، في المنطقة وقاعدة عسكرية متقدّمة فيها، ولذلك فالمواجهة معها تعني المواجهة مع أميركا، وقد أثبتت معركة “طوفان الأقصى” ذلك، ومن هنا أدرك الجميع أنّ الظروف الحالية تستدعي تقديم وتأخير بعض الأولويات، والتعامل معها بحكمة وإدراك وعلى قاعدة “ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه”.
خلاصة القول؛ إذا صحّت التوقعات وجرى التوقيع على اتفاق الإطار والنوايا بين أميركا وإيران، فإنّ ذلك يعني أنّ المنطقة دخلت مرحلة تهدئة نسبية لا يدري أحدٌ كم تطول أو تقصر، ولكن الثابت فيها أنّ الجميع سيعيد حساباته ويبني تحالفاته وعلاقاته منطلقاً من هذه المقاربة الجديدة للمنطقة.