| |

​مخيم الجليل.. عيدٌ برائحة الحرب والغلاء

حسين منصور – بعلبك

مع اقتراب عيد الأضحى، تبدو ملامح العيد هذا العام مختلفة في مخيم الجليل بمدينة بعلبك، حيث ألقت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وتداعيات الحرب والتوترات الأمنية بثقلها على حياة الأهالي، وانعكست بشكل مباشر على استعدادات العائلات لاستقبال العيد.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأسواق تزدحم بالمتسوقين قبل أيام من العيد، تبدو الحركة اليوم خفيفة وباهتة، وسط ارتفاع كبير في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي دفع كثيراً من العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الاحتياجات الأساسية، فيما غابت مظاهر العيد المعتادة عن عدد كبير من المنازل.

تراجع حاد في شراء الأضاحي واللحوم

داخل سوق المخيم، يؤكد أصحاب المحال أن هذا الموسم يُعد من الأضعف منذ سنوات، خاصة مع تراجع الإقبال على شراء الأضاحي واللحوم بشكل غير مسبوق.

ويقول علي محمد، صاحب ملحمة لبيع اللحوم، إن الحرب والأزمة الاقتصادية أثرتا بشكل مباشر على قدرة الناس على شراء الأضاحي.

ويضيف: “هذا العيد مختلف تماماً عن الأعوام الماضية، فالإقبال على الأضاحي واللحوم تراجع بشكل كبير جداً. سابقاً كنا نتلقى عشرات الطلبات يومياً مع اقتراب العيد، أما اليوم فالطلب شبه معدوم، والناس لم تعد قادرة على تحمّل الأسعار أو شراء الأضاحي كما كانت تفعل من قبل”.

ويشير إلى أن كثيراً من العائلات باتت تكتفي بشراء كميات قليلة من اللحوم، فيما فضلت عائلات أخرى الاستغناء عنها بالكامل بسبب الظروف المعيشية الصعبة.

الأسواق فقدت زحمتها المعتادة

أما أبو علي زهري، وهو سائق سيارة أجرة، فيصف الحركة داخل المخيم وأسواق مدينة بعلبك بأنها “الأضعف منذ سنوات”، لافتاً إلى أن التحضيرات للعيد تراجعت بشكل واضح هذا العام.

ويقول: “قبل العيد كانت سيارات الأجرة تعمل طوال اليوم بسبب حركة الناس نحو الأسواق، وكانت الشوارع مليئة بالأهالي الذين يشترون حاجياتهم، لكن هذا العام الحركة شبه غائبة، وحتى الأسواق تبدو فارغة بشكل غير معتاد”.

ويضيف: “الأوضاع الاقتصادية أنهكت الناس، ومع الغلاء والحرب أصبحت الأولوية لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية، وليس لشراء الكماليات أو مستلزمات العيد”.

ويؤكد عدد من سكان المخيم أن الظروف المعيشية الصعبة دفعت الكثير من العائلات إلى تقليص مصاريف العيد إلى الحد الأدنى، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.

صالونات الحلاقة أيضاً تأثرت

ولم تكن صالونات الحلاقة بعيدة عن حالة الركود التي يعيشها المخيم، إذ يؤكد محمد أحمد، وهو حلاق في المخيم، أن الحركة هذا العام تراجعت بشكل كبير مقارنة بالأعوام السابقة.

ويقول: “عادةً ما كانت صالونات الحلاقة تشهد ازدحاماً كبيراً قبل العيد، وأحياناً كنا نضطر للاعتذار من بعض الزبائن بسبب كثافة الحجوزات، لكن هذا العام الوضع مختلف تماماً”.

ويضيف: “الحرب وغلاء الأسعار أثّرا بشكل كبير على المخيم، والناس أصبحت تقلّل من مصاريفها إلى الحد الأدنى، لذلك تراجعت الحركة بشكل واضح هذا العيد”.

الحرب غيّرت عادات الزيارات والمعايدات

بدوره، يشير فادي خليل، صاحب محل لبيع القهوة والشوكولا، إلى أن الحرب والتوترات الأمنية انعكست بشكل واضح على حركة البيع وأجواء العيد داخل المخيم.

ويقول: “في كل عيد كانت الناس تقبل على شراء القهوة والشوكولا والحلويات استعداداً للزيارات العائلية والمعايدات، لكن هذا العام تغيّر كل شيء. كثير من الأهالي باتوا يخشون التنقل أو القيام بالزيارات بسبب الأوضاع الأمنية”.

ويضيف: “حتى الحركة داخل الأسواق تراجعت بشكل كبير، والمبيعات المرتبطة بالعيد انخفضت بشكل واضح مقارنة بالعام الماضي، ورغم ذلك لا تزال بعض العائلات تحاول شراء القليل من الحلويات لإدخال الفرح إلى قلوب أطفالها”.

ويؤكد أن حالة القلق والخوف أثرت بشكل مباشر على الحركة التجارية والاجتماعية داخل المخيم، في وقت تراجعت فيه التجمعات والزيارات التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من أجواء العيد.

غياب مظاهر العيد التقليدية

وفي أحد أزقة المخيم، تتحدث أم حسين سارة، وهي لاجئة فلسطينية من سكان المخيم، عن التغييرات التي طرأت على طقوس العيد هذا العام، مؤكدة أن الحزن والظروف الصعبة طغيا على أجواء المناسبة.

وتقول: “كنا نستعد للعيد كل عام بصنع الكعك وتحضير أجواء الفرح للأطفال، لكن هذا العام مختلف تماماً. كثير من العائلات لم تقم بأي من مظاهر العيد المعتادة، احتراماً لدماء الشهداء وبسبب الظروف الصعبة التي يعيشها الناس”.

وتضيف: “حتى ملابس العيد التي كان الأطفال ينتظرونها أصبحت عبئاً على كثير من الأهالي، وهناك عائلات لم تتمكن من شراء أي شيء جديد لأطفالها هذا العام”.

وتبدو ملامح الحزن واضحة على وجوه كثير من الأهالي، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية والخسائر التي خلفتها الحرب، ما جعل فرحة العيد هذا العام باهتة لدى عدد كبير من العائلات.

الأطفال يتمسكون بفرحة العيد

ورغم الظروف القاسية، لا يزال الأطفال يحاولون الحفاظ على فرحة العيد بطريقتهم الخاصة، حيث عبّر عدد منهم عن سعادتهم بقرب العيد، متمنين أن يعيش جميع الأطفال أجواء الفرح والأمان.

وقال أحد الأطفال: “نحن نحب العيد مهما كانت الظروف، ونفرح عندما نجتمع مع أهلنا ونرتدي ملابس العيد”.

فيما قال طفل آخر: “نتمنى أن يفرح كل الأطفال في العيد، وأن تنتهي الحرب ويعود الأمان للجميع”.

ويحاول كثير من الأهالي، رغم الظروف الصعبة، الحفاظ على الحد الأدنى من أجواء العيد داخل منازلهم، ولو بإمكانيات بسيطة، حتى لا يفقد الأطفال شعورهم بفرحة المناسبة، في وقت يبقى فيه العيد هذا العام محمّلاً بالقلق والضغوط المعيشية أكثر من أي وقت مضى.

موضوعات ذات صلة