حسين منصور – بعلبك
في كل عام، يستقبل أهالي مخيم الجليل للاجئين الفلسطينيين في مدينة بعلبك عيد الأضحى بأجواء مليئة بالحركة والفرح، حيث تزدحم الأزقة بالأطفال والأسواق والبسطات الشعبية. إلا أن العيد هذا العام جاء مختلفاً، بعدما ألقت الحرب المتواصلة وتداعيات الأزمة الاقتصادية الثقيلة بظلالها على تفاصيل الحياة داخل المخيم.

منذ ساعات الصباح الأولى، بدت الحركة خجولة في شوارع المخيم، فيما غابت المظاهر المعتادة التي لطالما رافقت الأعياد السابقة. محال قليلة فتحت أبوابها، وبسطات محدودة انتشرت في بعض الأزقة، بينما بدت ملامح القلق والحزن واضحة على وجوه الأهالي، الذين لم تغب عنهم معاناة أهل جنوب لبنان، ولا صور الدمار والمجازر في قطاع غزة.
ورغم ذلك، حاول السكان التمسك بما تبقى من فرحة العيد، ولو بحدّها الأدنى، خاصة من أجل الأطفال الذين شكّلوا المشهد الأبرز في المخيم هذا العام.
الأطفال… مساحة الفرح الوحيدة
اقتصرت أجواء العيد في مخيم الجليل إلى حد كبير على الأطفال، الذين ارتدوا ملابس العيد الجديدة، وتنقلوا بين الأراجيح والألعاب البسيطة داخل المخيم، في محاولة لصناعة لحظات فرح قصيرة وسط واقع مليء بالتعب والقلق.
كما شهدت بعض الأزقة فعاليات متواضعة، كالألعاب الهوائية وبنادق الخرز والقطار الصغير، التي أعادت شيئاً من الحياة إلى المخيم، ولو لساعات محدودة.

الناشط الشبابي رأفت محمد يقول إن أجواء العيد هذا العام تأثرت بشكل واضح بالحروب والأوضاع الصعبة، مضيفاً: “العيد هذا العام يأتي مثقلاً بمشاعر الحزن والقلق، نتيجة ما تمر به المخيمات الفلسطينية ولبنان بشكل عام، إضافة إلى ما يتعرض له أهلنا في غزة من حرب مستمرة. ورغم كل ذلك، يحاول الأهالي الحفاظ على الحد الأدنى من أجواء الفرح للأطفال، على أمل أن تحمل الأعياد المقبلة ظروفاً أفضل وأكثر استقراراً لفلسطين ولبنان.”
غصّة في قلوب الأمهات
ورغم محاولات إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال، إلا أن مشاعر الحزن بقيت حاضرة بقوة بين الأهالي، خاصة الأمهات اللواتي ربطْنَ فرحة العيد بما يعيشه أطفال غزة وجنوب لبنان.
اللاجئة الفلسطينية أم أدهم عطور تقول إن العيد فقد الكثير من ملامحه المعتادة هذا العام، مضيفة:
“نحاول أن نُظهر الفرح أمام أطفالنا كي لا يشعروا بحجم القلق الموجود داخلنا، لكن الحقيقة أن هناك غصة كبيرة في قلوب الأمهات، بسبب ما يتعرض له أطفال غزة وجنوب لبنان من قتل وتشريد. العيد بالنسبة للأطفال مساحة فرح، لكن الدعاء للشهداء وللجرحى حاضر في كل بيت داخل المخيم.”

ألعاب بسيطة… ورسائل صمود
وفي إحدى زوايا المخيم، يقف فؤاد كرزون قرب الأراجيح التي جهّزها للأطفال، مراقباً ضحكاتهم التي بدت وكأنها محاولة لمواجهة آثار الحرب والخوف.
ويقول كرزون: “رغم الظروف الصعبة، حرصنا على تجهيز الأراجيح وبعض الألعاب البسيطة لإدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال، خاصة بعد الفترة القاسية التي عاشها الناس خلال الحرب. الأطفال بحاجة إلى لحظات يشعرون فيها بالأمان والفرح، ونتمنى أن يعيش أطفال غزة أيضاً أياماً مليئة بالطمأنينة والسلام.”

بسطات العيد… بين الفرح وتأمين لقمة العيش
ولم تغب البسطات الشعبية عن المشهد، حيث حاول عدد من أبناء المخيم استثمار موسم العيد لتأمين دخل يساعدهم في مواجهة الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
محمد علي، صاحب بسطة لبيع المأكولات، يقول إن الهدف لم يكن تجارياً فقط، بل إنسانياً أيضاً، موضحاً:
“وجود الألعاب والبسطات داخل المخيم يساهم في خلق أجواء مختلفة للأطفال، ولو بشكل بسيط. نحن نعيش ظروفاً قاسية نتيجة الحرب والأزمة الاقتصادية، لكن من المهم أن يشعر الأطفال بأن العيد ما زال يحمل شيئاً من الفرح.”
أما حليم عطور، الذي افترش بسطته لبيع الذرة والفول، فيقول إن الأوضاع المعيشية دفعت كثيرين للبحث عن أي مصدر رزق، مضيفاً: “الحياة أصبحت صعبة جداً على الجميع، لكن رغم ذلك نحاول الاستمرار والعمل، وفي الوقت نفسه إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال الذين حُرموا من الكثير خلال الفترة الماضية.”
أضاحٍ محدودة وواقع اقتصادي قاسٍ
وعلى خلاف السنوات الماضية، شهدت الأضاحي هذا العام تراجعاً ملحوظاً داخل المخيم، نتيجة الغلاء الكبير وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي حال دون قدرة الكثير من العائلات على شراء الأضاحي أو المشاركة فيها.

واكتفت غالبية الأسر بإحياء الطقوس البسيطة، وسط حالة من التقشف فرضتها الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان.
غزة وجنوب لبنان حاضران في العيد
ورغم كل محاولات الفرح، بقيت غزة وجنوب لبنان حاضرتين في وجدان أهالي المخيم، كباراً وصغاراً.
الأطفال الذين أصروا على اللعب رغم ذكريات الحرب والخوف، وجّهوا رسائل محبة وتضامن إلى أطفال غزة وجنوب لبنان، متمنين لهم الأمان والحياة الكريمة.
وبين ضحكات الأطفال الحذرة، وقلق الأهالي الصامت، بدا عيد مخيم الجليل هذا العام أقرب إلى محاولة للتمسك بالحياة، في مواجهة واقع ثقيل فرضته الحرب والأزمات… على أمل أن تحمل الأعياد المقبلة فرحاً أكثر اكتمالاً، وأياماً أقل وجعاً لفلسطين ولبنان معاً.