تقرير فاديا منصور
في الأزقة الضيقة لمخيم نهر البارد، حيث تتقاطع آثار الحرب مع تفاصيل الحياة اليومية، يحاول الأطفال صناعة عيدهم بما تيسّر من الفرح. فلا شيء يشبه العيد بالنسبة لهم سوى تلك اللحظات البسيطة التي ينتزعونها من قسوة الواقع، عيدية صغيرة، جولة في أحياء المخيم، ساعات من اللعب في ملاهي “أبو لبنة”، أو سندويشة شاورما يتشاركونها مع الأصدقاء.
ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة وحالة القلق المستمرة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون، يصرّ أطفال المخيم على استقبال عيد الأضحى بقلوب مليئة بالأمل، معتبرين أن الفرح حق لا يمكن للحرب أو اللجوء أن ينتزعاه منهم.

العيد… ملابس جديدة وفرحة منتظرة
تقول الفلة لارين إن العيد بالنسبة لها يعني الفرحة الكبيرة، موضحةً أن أكثر ما يسعدها هو شراء الملابس الجديدة والحصول على العيدية والخروج للاستمتاع بأجواء العيد في المخيم.
أما الطفل لؤي لبن، فيؤكد أن الحرب لم تمنع الأطفال من التمسك ببهجة العيد، قائلاً إنهم يخرجون للتجول في أزقة المخيم واللعب في الملعب، مضيفاً: رغم ظروف الحرب والصعوبات، لازم نفرح وننبسط.

أبو لبنة… مساحة الفرح الأوسع للأطفال
ويبدو أن ساحة الألعاب في ملاهي أبو لبنة تحولت إلى العنوان الأبرز لفرحة الأطفال خلال العيد، حيث يتحدث عدد منهم عن الأراجيح والألعاب باعتبارها جزءاً أساسياً من اجواء العيد.
اسامة الحسن قال إنه يخطط لجولة طويلة تبدأ بالحصول على العيديات من الأقارب، ثم شراء الشاورما والتجول بواسطة التوكتوك، قبل التوجه إلى أبو لبنة لركوب سفينة نوح والألعاب الكبيرة.
فيما يؤكد الطفل كريم أن العيد بالنسبة لهم يعني الذهاب الى الكثير من الأماكن والمطاعم للتنزه داخل المخيم وخارجه مثل الذهاب إلى عين البرج ومطعم النابلسي والذهاب لملاهي أبو لبنة والملاعب التي تضم الألعاب في العيد، مشدداً على أنهم يحاولون البقاء سعداء رغم كل ما يحيط بهم.

العيدية… فرحة الأطفال ومشاركة العائلة
الطفلة سعاد محمود حسن تتحدث بحماس عن العيدية التي حصلت عليها، مشيرةً إلى أنها لا تستخدمها فقط للعب وشراء ما تحب، بل تفكر أيضاً بشراء هدايا لوالديها، في مشهد يعكس روح المشاركة والمحبة داخل العائلات الفلسطينية.
كما تؤكد أن زيارة الجدة والخروج مع العائلة من أهم الأمور التي تقوم بها ولا تكتمل فرحة العيد من دونها.
أما الطفلة مروة محمد لوباني، فتختصر يوم العيد بأنه يبدأ بالعيدية وينتهي بالشاورما، مروراً بساحات الألعاب والتنزه مع الأصدقاء.

الأطفال يتمسكون بالحياة رغم الحرب
وفي كلمات بسيطة تختصر كثيراً من المعاني، يقول أيهم السعدي إن العيد يعني اللعب والخروج إلى المتنزهات وتبادل المعايدات مع الجميع.
بينما يوضح الطفل عمر سعد أنهم يجمعون العيديات لشراء الألعاب والطعام الذي يحبونه، متمنياً أن يعيش العالم كله بصحة وعافية وفرح دائم.
أما الطفلة ملك، فوجهت رسالة مباشرة إلى الأهالي والكبار، داعيةً إلى الاهتمام بالأطفال وإخراجهم للتنزه وإدخال الفرح إلى قلوبهم، مؤكدةً أن الأطفال يريدون أن يعيّدوا ويفرحوا العالم كله رغم الحرب.

النزوح لا يلغي فرحة العيد
وفي واحدة من أكثر الشهادات تأثيراً، تحدث طفل نازح من الضاحية الجنوبية لبيروت عن شعوره المختلط بين محاولة الفرح وحنينه إلى منزله، قائلاً:
“أنا نازح من الضاحية الجنوبية، من بيت السمراوي. ورغم الحرب والظروف الصعبة، نحاول أن نعيش فرحة العيد ولو بشكل بسيط. لكن فرحتنا هناك، في بيوتنا وأحيائنا، كانت أكبر بكثير. نتمنى أن تنتهي الحرب قريباً، وأن يعود الجميع إلى منازلهم سالمين، لنستعيد أجواء العيد كما اعتدناها. هنا نحاول أن نفرح، ولكن العيد في حارتنا أحلى”
وتعكس كلمات الطفل حجم الاشتياق الذي يحمله النازحون إلى بيوتهم وأحيائهم، حيث يبقى العيد ناقصاً بعيداً عن المكان الذي اعتادوا أن يعيشوا فيه تفاصيله وذكرياته.
في المخيم، لا تبدو فرحة العيد ترفاً عابراً، بل شكلاً من أشكال التمسك بالحياة في مواجهة الخوف والحرمان. فبين ملاهي أبو لبنة، وجولات التوكتوك، وأصوات الأطفال في الأزقة، يحاول الصغار أن يصنعوا لأنفسهم مساحة مؤقتة من الأمان والبهجة.
ورغم كل ما يحيط بهم، تبقى ضحكات الأطفال في العيد رسالة واضحة بأن الحياة داخل المخيم لا تزال قادرة على مقاومة الألم وصناعة الأمل.