خلال أربعة أيام فقط تحولت المخيمات الفلسطينية في منطقة صور إلى مساحة مفتوحة للخوف والنزوح والقلق بعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية والتهديدات المباشرة التي طالت المدنيين والبنى الحيوية داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية جنوب لبنان.
التصعيد الإسرائيلي الأخير لم يقتصر على الاستهداف العسكري بل طال مقومات الحياة الأساسية للاجئين الفلسطينيين بعدما أدى قصف استهدف مخيم الرشيدية إلى تدمير بئر مياه رئيسي ومنظومة طاقة شمسية مخصصة لتشغيله، ما تسبب بحرمان آلاف اللاجئين من مصدر المياه الأساسي في أجزاء واسعة من المخيم ومحيطه.. كما شهد مخيم البص استهدافا جديدا طال مدنيين داخل المخيم في وقت تصاعدت فيه حالة الذعر بين السكان عقب تهديدات إسرائيلية دعت أهالي مدينة صور والمخيمات والتجمعات الفلسطينية إلى الإخلاء الفوري والتوجه شمال نهر الزهراني.
ومع اتساع دائرة التهديد بدأت موجات نزوح كثيفة من عدد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية بينما فضّلت عائلات أخرى البقاء داخل المخيمات رغم الخطر ليس لغياب الخوف بل بسبب العجز عن تأمين بدائل للسكن أو تحمل تكاليف النزوح والاستئجار في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان.
هذا الواقع الإنساني المعقد يعيد تسليط الضوء على هشاشة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حيث تفتقر المخيمات إلى أبسط مقومات الحماية أو البنية التحتية القادرة على استيعاب الأزمات والطوارئ ما يجعل آلاف العائلات مكشوفة بالكامل أمام أي تصعيد جديد.
هويدي: المخيمات بلا ملاجئ والأونروا مطالبة بخطة طوارئ عاجلة
في خضم هذا التصعيد حذّر مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين علي هويدي من التداعيات الإنسانية الخطيرة التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، مؤكداً أن المخيمات الفلسطينية وخصوصاً في منطقة صور تفتقر بشكل كامل إلى أي بنية تحتية للحماية أو أماكن آمنة يمكن أن يلجأ إليها السكان في حالات الاستهداف والطوارئ.
وقال هويدي في تصريح خاص لموقع صدى الشتات، إن مخيمات الرشيدية وبرج الشمالي والبص إضافة إلى التجمعات الفلسطينية المحيطة تعيش حالة هشاشة إنسانية غير مسبوقة في ظل استمرار العدوان وتفاقم الأزمة الاقتصادية التي دفعت آلاف العائلات إلى حافة الانهيار المعيشي.
وأشار إلى أن غالبية اللاجئين الفلسطينيين يعتمدون على العمل بالمياومة لتأمين احتياجاتهم اليومية ما يجعل أي توقف عن العمل أو أي عملية نزوح إضافية عبئاً يفوق قدرة العائلات على الاحتمال خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الإيجارات وصعوبة إيجاد أماكن بديلة للسكن.
استهداف المخيمات يتجاوز البعد العسكري
ورأى هويدي أن التصعيد الإسرائيلي ضد المخيمات الفلسطينية لا يمكن قراءته فقط في إطار الضغط الأمني أو العسكري بل يرتبط أيضاً بمحاولة ضرب البيئة الرمزية والسياسية التي تمثلها المخيمات الفلسطينية في لبنان.
وأوضح أن المخيم الفلسطيني لا يشكل مجرد تجمع سكاني للاجئين بل يمثل شاهداً مستمراً على النكبة الفلسطينية وحق العودة، فيما يشكل وجود وكالة الأونروا داخل المخيمات جزءاً من الاعتراف الدولي المستمر بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم السياسية والإنسانية.
وأشار إلى أن استهداف المخيمات والبنى المدنية ومحاولة دفع السكان إلى النزوح يأتيان في سياق ممارسة المزيد من الضغط على اللاجئين الفلسطينيين وإغراقهم بأزمات إنسانية ومعيشية متلاحقة بما يضاعف الأعباء على المجتمعات المضيفة ومناطق النزوح الجديدة.
وأضاف أن ما يجري اليوم داخل المخيمات الفلسطينية جنوب لبنان يعكس خطورة المرحلة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في ظل محاولات مستمرة لتهميش قضيتهم والضغط على وجودهم داخل المخيمات.
الأونروا أمام اختبار إنساني متصاعد
ومع اتساع حركة النزوح من المخيمات والتجمعات الفلسطينية جنوب الليطاني تتزايد الضغوط على مراكز الإيواء التابعة لوكالة الأونروا التي خصصت حتى الآن مركزين فقط لاستقبال النازحين الفلسطينيين هما معهد سبلين في الجنوب ومدرسة بتير في مخيم نهر البارد شمال لبنان.
وحذّر هويدي من أن القدرة الاستيعابية الحالية لم تعد كافية في ظل تزايد أعداد النازحين مشيراً إلى أن معهد سبلين يشهد بالفعل حركة نزوح متصاعدة من المخيمات والتجمعات الفلسطينية جنوب الليطاني، داعياً الأونروا إلى الإسراع بتجهيز مراكز ومدارس إضافية لاستقبال النازحين ضمن خطة طوارئ تشمل الإيواء والغذاء والرعاية الصحية بعيداً عن التقليصات التي تتبعها الوكالة خصوصاً في ظل محدودية الخدمات الطبية الحالية وتفاقم الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات.
خوف مفتوح على المجهول
لم يعد الخوف في المخيمات الفلسطينية جنوب لبنان شعوراً عابراً أو مؤقتاً بل تحول إلى جزء من الحياة اليومية لعائلات تعيش بين القصف والنزوح والانهيار المعيشي.. فبين من اضطر إلى مغادرة منزله تحت وقع التهديد ومن بقي داخل المخيم تتعمق المأساة الإنسانية للاجئين الفلسطينيين وسط غياب الحماية وتراجع الخدمات الأساسية.. وفي ظل استمرار التصعيد واتساع حركة النزوح، تبدو المخيمات الفلسطينية أمام مرحلة شديدة الخطورة مع مخاوف متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية.