الأقصى في مواجهة أخطر مشروع تهويدي…!

الكاتبد. عبد الرحيم جاموس

تشهد مدينة القدس المحتلة، وفي قلبها المسجد الأقصى المبارك، أخطر مرحلة سياسية ودينية واستراتيجية منذ احتلال المدينة عام 1967، في ظل تصاعد مشاريع الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى تغيير الهوية التاريخية والقانونية والدينية للقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، وفرض وقائع جديدة تمهّد لسيادة إسرائيلية كاملة على المسجد الأقصى المبارك.

وفي ضوء ما كشفته تقارير وتسريبات سياسية وإعلامية مؤخراً حول وجود توجهات أمريكية إسرائيلية لإعادة ترتيب ملف إدارة المسجد الأقصى، واستهداف الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية في القدس، تتضح ملامح مشروع بالغ الخطورة، لا يقتصر على البعد الإداري أو السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة صياغة هوية القدس والمنطقة بأسرها.

إن استهداف الوصاية الهاشمية ليس تفصيلاً سياسياً عابراً، بل يمثل استهدافاً مباشراً لآخر المرجعيات العربية والإسلامية والقانونية التي ما زالت تشكل سداً أمام فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى المبارك.

فالوصاية الهاشمية، الممتدة تاريخياً على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، تشكل غطاءً سياسياً وقانونياً ودينياً يحافظ على الوضع التاريخي القائم، ويمنع الاحتلال من الانفراد الكامل بإدارة الحرم القدسي الشريف. ولذلك، فإن أي محاولة لإضعاف هذه الوصاية أو تجاوزها أو استبدالها بترتيبات جديدة، تعني عملياً فتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من التهويد والسيطرة المباشرة على المسجد الأقصى.

ولم تعد التيارات الصهيونية الدينية المتطرفة تخفي أهدافها الحقيقية، بل باتت تعلن بصورة واضحة سعيها إلى:

تكريس الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى.

فرض الطقوس التلمودية داخل باحاته.

تقسيمه زمانياً ومكانياً.

تحويله تدريجياً إلى ما يسمى “حيزاً دينياً مشتركاً”.

إعادة تعريفه عالمياً باعتباره “جبل الهيكل”.

تمهيد الطريق لبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى.

وهنا تكمن الخطورة الكبرى….

فالحديث عن “إدارة متعددة الأديان” أو “تنظيم جديد للمقدسات” يبدو في ظاهره خطاباً سياسياً ناعماً، لكنه في جوهره محاولة مدروسة لنزع الهوية الإسلامية الخالصة للمسجد الأقصى، وتحويل الاحتلال من قوة محتلة إلى “شريك ديني وسيادي” داخل الحرم الشريف.

إن المشروع الصهيوني لا يقوم على التعايش الحقيقي، بل على الإحلال التدريجي، وإعادة هندسة المكان والوعي والتاريخ، وصولاً إلى فرض الرواية التوراتية الصهيونية باعتبارها الرواية الوحيدة المعترف بها دولياً.

ويأتي هذا التصعيد الخطير في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، تستغلها إسرائيل بأقصى درجات العدوانية السياسية، مستفيدة من:

حالة الانقسام الفلسطيني المستمرة.

انشغال العالم العربي بأزماته الداخلية.

حالة الإرهاق الشعبي والسياسي في المنطقة.

محاولات دمج إسرائيل إقليمياً عبر مشاريع التطبيع والتحالفات الأمنية والاقتصادية.

الدعم الأمريكي والغربي الواسع وغير المحدود للاحتلال.

فما يجري اليوم ليس مجرد إجراءات معزولة، بل جزء من مشروع استراتيجي أوسع يستهدف إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وثقافياً ودينياً، بحيث تتحول إسرائيل إلى مركز إقليمي مهيمن، بينما يتم تهميش القضية الفلسطينية، وتحويل القدس إلى مدينة خاضعة بالكامل للرؤية الصهيونية.

وقد شكّل الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والانحياز الغربي المتواصل للرواية الإسرائيلية، غطاءً سياسياً خطيراً شجّع حكومة الاحتلال على الانتقال من سياسة التهويد التدريجي إلى محاولة الحسم النهائي لملف القدس والمقدسات.

إن المساس بالمسجد الأقصى المبارك لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، ولا الأردن وحده، بل يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ويفتح الباب أمام صراع ديني واسع وخطير، ستكون له تداعيات كارثية على المنطقة والعالم.

فالقدس ليست مجرد مدينة، والمسجد الأقصى ليس مجرد معلم ديني، بل هما عنوان للهوية والتاريخ والحق والكرامة الإنسانية، وأي محاولة لفرض السيادة بالقوة على المقدسات ستؤدي إلى انفجار سياسي وشعبي وروحي لا يمكن احتواؤه.

ومن هنا، فإن اللحظة الراهنة تستوجب تحركاً عربياً وإسلامياً ودولياً عاجلاً يتجاوز بيانات الشجب والإدانة التقليدية، عبر:

دعم الوصاية الهاشمية سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً.

إعادة تدويل قضية القدس والمقدسات في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية.

بناء موقف عربي وإسلامي موحد يعتبر المساس بالأقصى خطاً أحمر.

تعزيز صمود الفلسطينيين وأهل القدس ومؤسساتها الوطنية والدينية.

إطلاق حملة إعلامية وثقافية عالمية لكشف مخاطر المشروع التهويدي.

إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية باعتبارها شرطاً أساسياً لحماية القدس والقضية الفلسطينية.

إن المعركة على القدس اليوم ليست معركة جغرافيا وحدود فقط، بل معركة وجود وهوية ووعي ومستقبل.

وإذا كان الاحتلال يراهن على تفكك الموقف العربي والإسلامي، وعلى تعب الشعوب، وانشغال العالم، فإن القدس ستبقى القضية القادرة على إعادة إحياء الوعي الجمعي للأمة، لأن المسجد الأقصى ليس مجرد رمز ديني، بل هو عنوان للحق التاريخي والإنساني الذي لا يسقط مهما طال الزمن.

وستبقى القدس، رغم كل المؤامرات ومشاريع التهويد، عربية فلسطينية إسلامية، عصية على الاقتلاع والتزوير، لأن الشعوب قد تُهزم مؤقتاً، لكنها لا تتخلى عن مقدساتها وهويتها وحقها التاريخي.

موضوعات ذات صلة