استغلّت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لشنّ حرب إبادة على قطاع غزة، امتدت بعد ذلك لتشمل عدة دول في المنطقة. ويبدو أن هدفها كان إعادة تشكيل الشرق الأوسط كمنطقة منزوعة السلاح والقدرات والإرادة السياسية، بما يحدّ من إمكانية أو محاولة تحدي الهيمنة الإسرائيلية.
في ظل نشوة القوة واتساع شهية إسرائيل للحروب، بادرت إسرائيل بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة إلى شنّ حرب على إيران في نهاية شباط/فبراير الماضي. ومع بداية الحرب، رفعت إسرائيل سقف أهدافها وتوقعاتها بشكل كبير. كما سعى بنيامين نتنياهو إلى توظيف الحرب في حملته الانتخابية المقبلة، انطلاقًا من اعتقاده بأن المواجهة ستحسم بسرعة لصالح إسرائيل والولايات المتحدة.
لكن، على أرض الواقع، لم تسرِ الأمور كما أرادت إسرائيل ولا كما توقّع نتنياهو. فلم تُحسم الحرب بسرعة، ولم ينهار النظام الإيراني. كما أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، ما أدخل الاقتصاد العالمي في حالة من عدم الاستقرار وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط، في وقت بدأت فيه الضغوط تتزايد على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لوقف الحرب.
وفي الوقت الراهن، تتجه الولايات المتحدة وإيران نحو التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، على الأرجح من دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي سعت إليها إسرائيل والولايات المتحدة. إسرائيليا، ينعكس ذلك في تنامي مشاعر خيبة الأمل وعدم الرضا داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه نتائج الحرب والاتفاق المتوقع.
عدم رضا إسرائيلي
يمكن فهم خيبة الأمل الإسرائيلية من احتمال التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة من خلال مضمون ورقة تحليلية أعدّها تامير هايمان، رئيس معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق، بعنوان “تلخيص المرحلة الأولى من الحرب على إيران زئير الأسد حتى وقف إطلاق النار”، والتي نُشرت بتاريخ 17 أيار/مايو.
وفقًا لهايمان، نجحت “حرب الأيام الاثني عشر” على إيران في صيف العام الماضي في إرجاع المشروع النووي إلى الوراء، وإضعاف مؤقت لجهود إيران في إنتاج الصواريخ، وإظهار التفوق العسكري لإسرائيل. وبدا وكأن إسرائيل قد حققت انتصارًا واضحًا فيها.
لكن منذ اليوم الأخير للحرب، تبيّن أن هذا الإنجاز لم يكن مستقرًا. فقد نجحت إيران في التعافي بسرعة أكبر مما كان متوقعًا في مختلف مكونات أمنها القومي، وبدأت بإعادة تأهيل مشروعها النووي، وعادت إلى إنتاج الصواريخ الباليستية بوتيرة متسارعة. كما واصلت تقديم دعم مالي كبير لحزب الله والعمل على إعادة ترميم قدراته العسكرية. وبحسب هايمان، كان واضحًا أن حربًا أخرى ستكون ضرورية، وأن المسألة مسألة وقت فقط.
أما في الحرب الحالية على إيران، فقد نجحت إيران، وفق هايمان، وعلى الرغم من الضربات القاسية واغتيال القيادات السياسية والعسكرية، في تنفيذ عملية انتقال السلطة إلى مرشد أعلى جديد، وبنت في الوقت نفسه منظومة قيادة وسيطرة فاعلة من دون حدوث أي حالات انشقاق. بذلك لم يتحقق هدف إسقاط أو تغيير النظام في إيران، واستمرت المنظومة العسكرية الإيرانية في أداء مهامها. وصحيح أن إغلاق مضيق هرمز لم يُفاجِئ أجهزة الاستخبارات، إلا أن توقيت الإغلاق شكل مفاجأة، بحيث جاء أبكر مما كان متوقعًا، وبأدوات غير متوقعة.
أدّى إغلاق المضيق إلى تغيير مسار الحرب وتركيز الاهتمام الأميركي على محاولة إعادة فتحه. ونتيجة لذلك، تغيّر ترتيب أولويات الضربات الجوية. وأدّى إغلاق المضيق إلى خلق أول فجوة واضحة بين المصالح الإسرائيلية والأميركية. وهكذا، منح إغلاق مضيق هرمز إيران أداة ضغط عالمية جديدة، تتجاوز الورقة النووية، وهي تستغلها إلى أقصى حد ممكن.
يشير هايمان أنه عند وقف إطلاق النار، لا تزال إيران تحتفظ بنسبة تتراوح بين 60% و70% من قدراتها الصاروخية، إضافة إلى امتلاكها مواد نووية مخصّبة تشمل نحو 440 كلغم من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، ومئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20%، وعدة أطنان من اليورانيوم المخصّب بنسبة أقل من 20%.
ورغم دقة المعلومات الاستخبارية والقدرات الهجومية اللافتة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، لم يتم تدمير المقرات المركزية لقيادة الطوارئ الإيرانية (مقر “خاتم الأنبياء” والحرس الثوري). إذ حققت العديد من الضربات تعطيلًا جزئيًا ومؤقتًا فقط، حيث عادت هذه المقرات إلى العمل الكامل خلال وقت قصير، وبقيت قدرة القيادة والسيطرة العسكرية قائمة.
الاتفاق يتعارض مع مصلحة إسرائيل
يرى هايمان أن الحرب مع إيران لم تنتهِ بعد، ولذلك من المبكر استخلاص استنتاجات حاسمة بشأن نجاحها أو فشلها. وسيجري تقييم هذه المواجهة مستقبلًا وفق محورين زمنيين، على المدى القصير، ما إذا كانت التهديدات قد أُزيلت عن إسرائيل (البرنامج النووي، الوكلاء، الصواريخ)؛ وعلى المدى البعيد، ما إذا كانت الحرب قد غيّرت سياسة إيران، وفي أي اتجاه؛ هل ستتجه نحو مزيد من التشدّد، أو نحو التسوية، أو نحو تغيير في النظام باتجاه أكثر براغماتية.
ويضيف أن ثلاث مقاربات رئيسية تبلورت على مرّ السنين لمواجهة التهديد الإيراني: اتفاق نووي، أو الحرب، أو الضغط الاقتصادي المستمر. وتسعى هذه المقاربات الثلاث إلى تحقيق هدفين أساسيين: تقليص التهديدات وزعزعة استقرار النظام بما يسرّع نهايته. وفي ظل فترة الانتظار الحالية، لا تزال جميع هذه الخيارات مطروحة.
تشير المعلومات التي تسرّبت حتى الآن بشأن بنود الاتفاق الآخذ في التبلور بين إيران والولايات المتحدة، إلى أنها لا تنسجم مع السيناريوهات التي يطرحها هايمان، والتي تعكس إلى حدّ كبير موقف المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل. فلا يدور الحديث عن اتفاق نووي جديد، ولا عن استئناف الحرب، ولا عن استمرار الحصار، ولا عن قطع العلاقات والدعم لحلفاء إيران في المنطقة، خصوصًا حزب الله.
هذه البنود تفسر أسباب خيبة الأمل الإسرائيلية في حال التوصل فعليًا إلى اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة. فبدلًا من أن تُشكّل الحرب على إيران وحزب الله “آخر الحروب” التي تمكّن إسرائيل من خلالها فرض هيمنتها على المنطقة، قد تتحول إلى نقطة انعطاف تُعيد النظر في ما تعتبره إسرائيل إنجازات أمنية وعسكرية تحققت منذ السابع من أكتوبر.
خيبة الأمل تنعكس في مواقف المجتمع الإسرائيلي
تنعكس خيبة الأمل من نتائج الحرب على إيران ولبنان في مواقف المجتمع الإسرائيلي، كما يتضح من نتائج استطلاع معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب لشهر أيار/مايو.
ووفقًا لنتائج الاستطلاع، يرى 41% من المستطلعين أن إسرائيل انتصرت بالفعل أو أنها على الأرجح ستنتصر في الحرب على إيران، مقابل نحو نصف المستطلعين الذين يعتقدون أن إسرائيل على الأرجح لن تنتصر أو أنها خسرت بالفعل.
ويُظهر الاستطلاع تراجعًا في مستوى الرضا عن الإنجازات العسكرية في الحرب على إيران، حيث بلغت نسبة الراضين حاليًا 37% مقارنة بـ60% في شهر آذار/مارس، مقابل 25% أعربوا عن عدم رضاهم. كما يرى 45% من المستطلعين أن الوضع في مواجهة إيران قد تدهور، مقابل 31% يعتقدون أنه تحسّن.
أما في ما يتعلق بالحرب على لبنان، فيرى معظم الجمهور الإسرائيلي (59%) أنه ينبغي على إسرائيل تعميق القتال ضد حزب الله، مقابل 30% يعتقدون أنه يجب تجنّب تصعيد واسع. كما يؤيد 57% إقامة شريط أمني إسرائيلي دائم داخل الأراضي اللبنانية، مقابل 29% يعارضون ذلك.
وفي ما يتعلق بنتائج الحرب على لبنان، يرى 45% من المستطلعين أن إسرائيل انتصرت بالفعل أو أنها على الأرجح ستنتصر، مقابل نسبة مماثلة تقريبًا تعتقد أن إسرائيل على الأرجح لن تنتصر أو أنها خسرت بالفعل. وبصورة عامة، يعتقد 48% من المستطلعين أن الوضع الأمني لإسرائيل على الجبهة اللبنانية قد تدهور، مقابل 28% فقط يرون أنه تحسّن.
وبصورة عامة، يصنّف 26% من المستطلعين وضع الأمن القومي بأنه جيد أو جيد جدًا، مقابل 34% يرونه سيئًا أو سيئًا جدًا، فيما يصفه 38% بأنه متوسط. وبالمقارنة مع بداية الحرب على إيران، يُنظر إلى الوضع اليوم بصورة أكثر سلبية؛ ففي مطلع شهر آذار/مارس، رأى 38% من المستطلعين أن وضع الأمن القومي جيد أو جيد جدًا، مقابل 27% فقط وصفوه بأنه سيئ أو سيئ جدًا.
تشير قراءة ورقة معهد أبحاث الأمن القومي، إلى جانب المزاج العام السائد في المجتمع الإسرائيلي، إلى أن الحرب على إيران ولبنان لم تحقق أهدافها العسكرية والأمنية، ولا الأهداف السياسية والانتخابية التي سعى إليها بنيامين نتنياهو، الذي راهن على توظيف نتائج الحرب لتحسين مكانته السياسية وتعزيز موقعه في المعركة الانتخابية المقبلة.
ومن هنا، لا يمكن استبعاد احتمال أن تسعى إسرائيل إلى تعطيل التوصل إلى اتفاق، أو العمل على إفراغ أي اتفاق من مضمونه إذا ما اعتبرته اتفاقًا سيئًا. كما لا يمكن استبعاد احتمال توسيع الحرب على لبنان استباقًا لأي اتفاق قد يؤدي إلى وقف القتال هناك، وكذلك في محاولة لتغيير المزاج العام السلبي داخل المجتمع الإسرائيلي..