| |

فلسطيني يحوّل الخشب إلى فرحة عيد

مصطفى الحسين/ صدى الشتات

في زاوية من مخيم البرج الشمالي للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان، لم يكن الخشب مجرد مادة خام بالنسبة لعلي حسين لمحمد، بل تحوّل إلى وسيلة لمقاومة الإحباط وصناعة لحظة فرح في زمن تزداد فيه الأخبار الثقيلة والحكايات المؤلمة.

علي، المولود في مخيم البرج الشمالي عام 1986 والمنحدر من بلدة المنصورة الفلسطينية، يعمل في مهنة تركيب البلاط. لكن الحرب الدائرة في جنوب لبنان فرضت واقعًا مختلفًا على حياته، بعدما تراجع العمل بشكل كبير وتوقفت الكثير من فرص كسب الرزق التي كان يعتمد عليها لإعالة أسرته المكونة من زوجته وأطفاله الأربعة.

وسط هذا الواقع، وجد نفسه أمام تحدٍ جديد: كيف يمكن لأب أن يمنح أبناءه شيئًا من الفرح في وقت تزداد فيه الضغوط المعيشية والنفسية على الجميع؟

فكرة وُلدت من قلب الحرب

يقول علي إن فكرة صناعة سيارة خشبية لم تكن مشروعًا تجاريًا أو محاولة لتحقيق ربح، بل جاءت بدافع بسيط ومباشر: إدخال الفرحة إلى قلوب أطفاله.

ومع حلول عيد الأضحى، بدأ يفكر في وسيلة مختلفة تمنح أبناءه وأطفال المخيم لحظات من السعادة بعيدًا عن أجواء الحرب والقلق التي تسيطر على الحياة اليومية.

هكذا بدأت الرحلة

جمع ما توفر لديه من أخشاب ومواد أولية، وشرع في تحويل الفكرة إلى واقع. لم تكن المهمة سهلة، فالحرب ألقت بظلالها حتى على أبسط التفاصيل، إذ اضطر إلى الانتظار لفترات طويلة للحصول على بعض القطع والمواد اللازمة بسبب إغلاق عدد كبير من المحال التجارية في مدينة صور أو تعطل حركة العمل فيها.

ويشير إلى أن عملية جمع القطع وتأمين المستلزمات استغرقت وقتًا أطول مما كان يتوقع، إلا أن رغبته في إكمال المشروع كانت أقوى من العقبات.

من فكرة بسيطة إلى حديث المخيم

مع تقدم العمل، بدأت ملامح السيارة الخشبية تظهر تدريجيًا. هيكل خشبي، مقود، عجلات، وتفاصيل صغيرة حاول علي أن يمنحها أكبر قدر ممكن من الواقعية.

ولم يكن وحيدًا في هذه المهمة، إذ استعان بعدد من الأصدقاء والأقارب لمساعدته في بعض أعمال الصيانة والتجهيز، خاصة في الجوانب التي تحتاج إلى خبرات تقنية إضافية.

ويقول مبتسمًا إن ردود فعل الناس في البداية كانت أقرب إلى المزاح وعدم التصديق.

“كثيرون كانوا يعتقدون أن الفكرة لن تكتمل، وبعضهم كان ينظر إليها على أنها مجرد تجربة عابرة”.

لكن الأمور تغيّرت مع اقتراب المشروع من نهايته.

فما إن أصبحت السيارة جاهزة حتى تحولت إلى محط اهتمام أبناء المخيم، وبدأ الناس يتوافدون لرؤيتها والتقاط الصور معها، فيما وجد الأطفال فيها مساحة جديدة للعب والفرح.

فرحة صغيرة في وقت صعب

في مخيم اعتاد خلال الأشهر الأخيرة على أخبار الشهداء والدمار والقلق، بدت السيارة الخشبية وكأنها رسالة مختلفة.

فالأطفال الذين يعيشون ظروفًا استثنائية وجدوا في هذا الإنجاز مساحة للهروب من تفاصيل الواقع ولو لساعات قليلة.

ويؤكد علي أن أكثر ما أسعده لم يكن شكل السيارة بحد ذاته، بل رؤية الفرحة على وجوه الأطفال.

“هذا الشعور لا يوصف”، يقول، مضيفًا أن رؤية الأطفال وهم يتجمعون حول السيارة ويلتقطون الصور معها كانت المكافأة الحقيقية لكل الجهد الذي بذله.

ولم تقتصر الفرحة على الأطفال فقط، بل امتدت إلى الأهالي الذين رأوا في المشروع نموذجًا إيجابيًا يعكس قدرة أبناء المخيم على الإبداع رغم الظروف الصعبة.

أحلام مؤجلة إلى ما بعد الحرب

ورغم نجاح التجربة، لا يعتبر علي أن المشروع وصل إلى شكله النهائي.

فهو يرى أن السيارة ما زالت بحاجة إلى الكثير من التطوير والتحسين، ويأمل أن يتمكن من تنفيذ أفكار إضافية بعد انتهاء الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها.

ويتمنى قبل كل شيء أن تنتهي هذه المرحلة الصعبة، وأن يتمكن الأطفال من العيش في بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا.

ويقول إن أكبر أحلامه اليوم ليست مرتبطة بالمشروع نفسه، بل بأن يعيش أبناؤه وأطفال المخيم بعيدًا عن أصوات الحرب والخوف.

في مخيم البرج الشمالي، حيث تتقاطع يوميًا قصص اللجوء والحرب والضيق الاقتصادي، اختار علي حسين لمحمد أن يكتب قصة مختلفة. قصة بدأت ببضعة ألواح من الخشب، وانتهت بابتسامات رسمت على وجوه الأطفال، لتؤكد أن الإبداع قادر على إيجاد مساحة للحياة حتى في اصعب الظروف

موضوعات ذات صلة