| |

خارج خرائط الإغاثة..التجمعات الفلسطينية في صور تحت وطأة الحرب والإهمال

بعيداً عن المشهد السياسي والعسكري المتصدر للعناوين، تتشكل في التجمعات الفلسطينية المحيطة بمدينة صور أزمة إنسانية صامتة تتسع رقعتها يوماً بعد آخر، فمع استمرار التوترات الأمنية في جنوب لبنان وجد آلاف اللاجئين أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ فرضته الحرب وتداعياتها في ظل تراجع الحضور الإغاثي وغياب المعالجات القادرة على الحد من تفاقم الأوضاع.. فالمعاناة هناك لم تعد مرتبطة بحدث طارئ أو ظرف مؤقت بل تحولت إلى يوميات تثقل كاهل السكان وتدفعهم إلى مواجهة تحديات تتجاوز قدرتهم على الاحتمال..

اقتصاد البقاء تحت وطأة الجغرافيا الخطرة

فرض الموقع الجغرافي لعدد من التجمعات واقعاً استثنائياً جعلها عرضة لتداعيات التطورات الميدانية فالفلسطينيون في تجمعات الجنوب يعيشون على تماس مباشر مع مناطق تشهد تهديدات مستمرة، الأمر الذي انعكس على مختلف تفاصيل الحياة من الحركة والتنقل إلى القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.. وفي بيئة يسودها الترقب والقلق بات الإحساس بالأمان من أكثر الاحتياجات ندرة.

خلال الأشهر الماضية تآكلت مصادر الدخل بصورة متسارعة مع تعذر وصول أعداد كبيرة من العمال إلى أماكن عملهم.. وبفعل هذا الانقطاع الطويل انتقلت غالبية الأسر من محاولة تحسين ظروفها المعيشية إلى البحث عن سبل تأمين الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.

هذا التحول لم يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل انعكس على مجمل الواقع الاجتماعي داخل التجمعات حيث ازدادت معدلات العوز وتراجعت قدرة العائلات على مواجهة الأعباء المتزايدة.

غياب الأونروا يفاقم الأزمة الصحية

في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الرعاية الطبية داخل التجمعات الفلسطينية يثير استمرار إغلاق العيادات التابعة للأونروا منذ فترة تساؤلات واسعة بين الأهالي حول مصير الخدمات الصحية الأساسية التي يعتمد عليها آلاف اللاجئين.. فمع توقف هذه المرافق عن أداء دورها، وجد المرضى أنفسهم أمام واقع صحي بالغ الصعوبة في ظل محدودية البدائل وارتفاع كلفة العلاج خارج التجمعات.

وتنعكس تداعيات هذا الغياب بصورة أكبر على أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن الذين باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على الأدوية والفحوصات الدورية والرعاية الصحية التي كانت توفرها الوكالة بشكل منتظم.

النفايات أزمة تتفاقم في ظل ضعف الإمكانات

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجوانب الصحية والمعيشية بل امتدت إلى الواقع البيئي داخل التجمعات، فقد أدى تعذر الوصول إلى مكبات النفايات بسبب الأوضاع الأمنية إلى تراكم كميات كبيرة منها في عدد من الأحياء بينما تجد اللجان الشعبية نفسها عاجزة عن معالجة المشكلة بالإمكانات المتاحة.

ويحذر السكان من أن استمرار هذا الواقع يهدد بتداعيات صحية وبيئية خطيرة، خصوصاً مع غياب أي خطة طوارئ واضحة للتعامل مع الأزمة.

مساعدات متفرقة وغياب للدور المؤسسي

خلال الأشهر الماضية اقتصرت الاستجابة الإنسانية على مبادرات محدودة نفذتها بعض الجمعيات والمؤسسات، تمثلت في توزيع مساعدات غذائية وحصص نظافة بشكل متقطع، إلا أن هذه التدخلات وفق الأهالي بقيت دون مستوى الاحتياجات الفعلية التي تتزايد يوماً بعد يوم.

وفي المقابل، يلفت السكان إلى غياب الدور المباشر للأونروا والمؤسسات المعنية عن متابعة أوضاع التجمعات رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها، الأمر الذي عمّق شعورهم بالتهميش وتركهم يواجهون أزماتهم المتلاحقة بإمكانات محدودة.

وتؤكد الأصوات الصادرة من داخل التجمعات أن المرحلة الراهنة تتطلب تحركاً عاجلاً من الأونروا والمؤسسات الدولية والمحلية والجهات الفلسطينية المعنية قبل أن تتحول الأزمات المعيشية والصحية المتراكمة إلى واقع أكثر قسوة على آلاف اللاجئين الفلسطينيين في منطقة صور.

مسؤولية لا تحتمل التأجيل

وفي وقت تتراكم فيه الأعباء المعيشية والصحية والبيئية على سكان التجمعات الفلسطينية في منطقة صور، تتسع الفجوة بين حجم الاحتياجات القائمة ومستوى الاستجابة المطلوبة.. فهذه التجمعات لا تواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة بل تعيش واقعاً استثنائياً يهدد مقومات الحياة الأساسية لآلاف اللاجئين.

ومع استمرار غياب الخدمات الحيوية وتراجع التدخلات الإغاثية تزداد المخاوف من دخول هذه التجمعات مرحلة أكثر تعقيداً خصوصاً في ظل اعتماد شريحة واسعة من سكانها على المساعدات والرعاية التي يفترض أن توفرها الجهات المعنية.. وبين أزمات تتراكم بصمت واحتياجات تتسع يوماً بعد يوم يبقى السؤال معلقاً حول مدى قدرة المؤسسات المسؤولة على التحرك قبل أن تتحول المعاناة اليومية إلى واقع يصعب احتواؤه أو معالجته لاحقاً.

موضوعات ذات صلة