يعكس واقع مخيم البص للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان عمق المأساة الإنسانية التي يواجهها السكان تحت وطأة الحرب والتهديدات الإسرائيلية المستمرة بإخلاء مدينة صور ومحيطها.
فاتورة البقاء المُرّة
هذه التطورات الميدانية الأخيرة وضعت العائلات الفلسطينية أمام خيارات أحلاها مر، وتسببت في موجة نزوح واسعة غيرت معالم الحياة داخل المخيم، حيث تشتتت العائلات بحثاً عن الأمان في مدينة صيدا ومناطق لبنانية أخرى، بينما بقي آخرون يواجهون مصيرهم في بيوتهم.
تشير المصادر الميدانية إلى أن نسبة بقي داخل المخيم لا تتعدى العشرين في المئة من إجمالي السكان، وهم الذين اتخذوا قرار الصمود إما تمسكاً بالمخيم أو لعدم امتلاكهم أي بدائل ملموسة.
ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة “الأونروا” فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في مخيم البص يتجاوز الثلاثة عشر ألفاً (نحو 13,081 لاجئاً)، في حين كان التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان عام ٢٠١٧ قد قدّر عدد المقيمين الفعليين داخل المخيم بنحو خمسة آلاف ومائتي نسمة، يمثل الفلسطينيون الغالبية العظمى منهم إلى جانب نسب ضئيلة من جنسيات أخرى، من بينهم عائلات نازحة من سوريا، هذه الكتلة البشرية التي استقرّت في المخيم منذ عقود باتت اليوم مشتتة بين أرقام النزوح القسري.
وتتجسد هذه المعاناة في شهادات الأهالي؛ إذ يوضح الفلسطيني محمد الاحمد لصدى الشتات أن خيار البقاء كان حتمياً بالنسبة له في ظل غياب الأقارب أو وجهة بديلة يلجأ إليها.
وفي السياق ذاته، يعبر الفلسطيني خالد حسن عن عجز الكثيرين عن تحمل تكاليف النزوح الباهظة، من إيجارات شقق وتأمين مصاريف المياه والكهرباء، خاصة مع التوقف الكامل للأعمال والمهن في الجنوب اللبناني، مما جعل البقاء خياراً إجبارياً فرضته الظروف المادية القاسية وانعدام الخيارات المتاحة.
شبح إطالة أمد الحرب
على الجانب الآخر، لا تبدو صورة النازحين الذين غادروا المخيم أفضل حالاً، إذ تحاصرهم الهموم المعيشية والهواجس المستقبلية في أماكن لجوئهم الجديدة.
ويعبر الفلسطيني حسين علي، الذي نزح مع عائلته إلى منطقة وادي الزينة، عن قلق حقيقي من إطالة أمد الحرب، مستعرضاً عبء استئجار شقة سكنية بمبلغ أربعمائة دولار شهرياً، وهو ما يضع عائلته أمام تساؤلات صعبة حول القدرة على الاستمرار في ظل انقطاع الدخل وشح المساعدات الإغاثية التي كان من المفترض أن تخفف من وطأة النزوح.
اللاجئ وحيداً في مواجهة الحرب
تتكامل هذه اللوحة المأساوية والواقع المعقد مع صرخة القلق التي أطلقها الفلسطيني فؤاد محمود، والتي تلخص مخاوف مجتمع اللاجئين من تركهم يواجهون مصيراً مجهولاً بملء إرادتهم ودون أي سند.
يتعاظم هذا الخوف في ظل غياب المتابعة والرعاية الفعالة من قِبل وكالة الأونروا والمؤسسات الإغاثية العاملة في الوسط الفلسطيني، مما يترك العائلات وحيدة في مواجهة متطلبات الحياة اليومية المتزايدة، والغلاء الفاحش، وظروف الحرب القاسية التي تلتهم مدخراتهم وتزيد من تعقيد واقعهم الإنساني.