| |

​العلي: الإرادة الرياضية الشبابية في المخيمات قادرة على تحويل التحديات إلى فرص

بيروت | صدى الشتات

في إطار تسليط الضوء على واقع وطموحات الحركة الرياضية والشبابية في الشتات، أجرت صدى الشتات حواراً مع قامة رياضية وكادر فلسطيني بارز في الساحة الرياضية الفلسطينية في لبنان مع الأستاذ خليل العلي.

​والعلي هو فلسطيني من بلدة “فارة” قضاء صفد في فلسطين المحتلة، ومن مواليد مخيم الرشيدية والمقيم حالياً في مدينة صيدا، يُعد أحد أبرز الناشطين والكوادر الفاعلة في هذا المجال؛ حيث يشغل منصب مدير العلاقات العامة في المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة في لبنان، ويتولى رئاسة فرع الشتات في الاتحاد الفلسطيني للدراجات الهوائية وكرة القدم الخماسية، ولديه عضوية الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم – فرع الشتات.

​وفي هذا اللقاء الخاص مع “صدى الشتات”، يفتح العلي ملفات الرياضة الفلسطينية في الشتات، مستعرضاً مسيرتها التاريخية، ومعوقاتها الراهنة، ورؤيته لنهضتها وتوثيق ذاكرتها.

المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة: سنوات من الاحتضان

​تُشكل المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة في لبنان إطاراً وطنياً شبابياً جامعاً يضم عشرين نادياً ومؤسسة رياضية، ومنذ تأسيسها قبل أكثر من ربع قرن، حرصت المؤسسة على توفير بيئة حاضنة للشباب عبر تنظيم البطولات والأنشطة الكشفية، الثقافية، والتربوية.

ولا يقتصر دور المؤسسة على الجانب الرياضي الفني، بل يتعداه لتعزيز الهوية الوطنية وإحياء المناسبات الجامعة كذكرى النكبة، يوم الأرض، والتضامن مع القدس وغزة والأسرى، وذلك بالتعاون مع مؤسسات فاعلة كحملات “انتماء”، و”تضامن”، و”ثابت”.

محطات تاريخية في مسيرة الرياضة

مرت الساحة الرياضية الفلسطينية في لبنان بمحطات تاريخية بارزة تركت أثرها على واقعها الراهن؛ ففي مطلع الخمسينيات، بدأت ملامح الحياة الرياضية تتشكل داخل المخيمات بعد نكبة عام 1948 مباشرة، حيث تأسست أندية رائدة شكلت النواة الأولى للحركة الرياضية، وكان من أبرزها نادي القسطل في مخيم المية ومية ونادي الهلال في مخيم البداوي.

ومع حلول فترة السبعينيات وتأسيس المجلس الأعلى لرعاية الشباب والرياضة الفلسطيني، عاشت الرياضة مرحلة ازدهار ذهبي وانتشرت الفرق في مختلف التجمعات، إلا أن هذا الواقع شابه الكثير من الصعوبات عقب خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، حيث دخلت الحركة الرياضية منزلقاً معقداً بفعل الظروف السياسية والأمنية، لكن الأندية واللجان الشبابية نجحت بإمكانيات متواضعة في حماية النشاط الرياضي ومنع اندثاره.

واقع التحديات الراهنة في المخيمات

تواجه الرياضة الفلسطينية في الوقت الحاضر تحديات مركبة تتأثر بشكل مباشر بالأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية الصعبة في لبنان، وتبرز أزمة التمويل كعقبة أساسية في ظل غياب الدعم المالي المستدام، مما يضطر الأندية إلى الاعتماد الكامل على الجهود الذاتية لأعضائها ومحبيها لتأمين النفقات والمشاركة في البطولات الرسمية، وهو ما يشكل عبئاً مالياً وإدارياً باهظاً.

ويضاف إلى تلك المعوقات بحسب العلي النقص الحاد في البنية التحتية والمنشآت الرياضية، حيث تفتقر المخيمات إلى الملاعب القانونية والمراكز التدريبية المتخصصة، مما يحد من قدرة اللاعبين على تطوير مستوياتهم الفنية والبدنية.

ورغم قسوة هذه الظروف، نجحت الطاقات والمواهب الفلسطينية في تحقيق إنجازات لافتة، لا سيما في الألعاب الفردية، مما يؤكد حاجتها الماسة إلى الرعاية والاحتضان المؤسسي الشامل.

جدلية كرة القدم والألعاب الفردية

وفي سياق الحديث عن هيمنة كرة القدم، أوضح العلي أن النظرة السطحية قد توحي بإهمال بقية الرياضات نظراً للشعبية الجارفة لكرة القدم وحضورها الإعلامي والجماهيري داخل الأحياء والمخيمات.

إلا أن الواقع يشهد تطوراً ملحوظاً في الرياضات القتالية والفردية بفضل جهود مدربين وأبطال آمنوا بهذه الألعاب، ونجحوا في تأسيس مدارس وصناعة أجيال حققت نتائج مشرفة في بطولات محلية وعربية ودولية، كرياضات المواي تاي، الكيك بوكسينغ، الكيوكوشن كاراتيه، رفع الأثقال، وكرة الطاولة.

وأرجع العلي هذا التباين في المشهد الرياضي إلى ضعف التغطية الإعلامية التي تنالها الألعاب الفردية مقارنة بكرة القدم التي ينتشر إعلامها بسرعة كبيرة، داعياً إلى تبني رؤية إعلامية شاملة وعادلة تسلط الضوء على هؤلاء الأبطال وتساهم في جذب الداعمين لهم، إلى جانب ضرورة إنشاء قاعات تدريبية متخصصة تضمن صناعة نجوم قادرين على تمثيل فلسطين ورفع علمها في المحافل الدولية.

خارطة الطريق لنهضة رياضية شاملة

قدمت المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة نموذجاً عملياً لتجاوز العقبات اللوجستية عبر تشييد وتطوير منشآت حيوية شكلت متنفساً للشباب، حيث شملت هذه الجهود إنشاء مجمع حيفا الرياضي في مخيم الرشيدية، وملعب أحرار فلسطين في منطقة القاسمية، وملعب غولدن بول في صيدا، إضافة إلى ملعب الوفاء في البداوي، وقاعة نادي الأقصى في برج البراجنة، فضلاً عن دعم قاعات ومرافق ألعاب القوة في مخيمات البرج الشمالي، والمية ومية، وعين الحلوة، ووادي الزينة.

ولتحقيق نهضة رياضية شاملة ومستدامة، حدد العلي أربعة عناصر أساسية تتطلب تظافر الجهود؛ أولها تأمين الدعم المالي المستدام للاتحادات والأندية لتمكينها من تنظيم البطولات المركزية ككأس الرئيس وبطولة فلسطين.

وثانيها تطوير البنية التحتية والمنشآت الرياضية، وثالثها الارتقاء بالعمل الإداري والمؤسسي داخل الأندية لضمان التخطيط السليم ورعاية المواهب، وأخيراً بناء شراكات فاعلة وعلاقات تعاون متينة مع المجتمع اللبناني الشقيق من خلال البلديات والاتحادات الرياضية اللبنانية لفتح آفاق جديدة أمام الرياضيين الفلسطينيين.

وحدة الرياضة الفلسطينية 

​وعلى صعيد وحدة القرار الرياضي، أكد العلي على وجود تنسيق مستمر بين الساحات الرياضية الفلسطينية المختلفة على مستويين؛ إذ يشهد المستوى الرسمي تواصلًا دائمًا بين الفروع الثلاثة للاتحادات الرياضية في الضفة الغربية، قطاع غزة، والشتات، لصياغة برامج موحدة وتطوير العمل المشترك.

أما على المستوى الشعبي والمؤسساتي، فيبرز التفاعل من خلال المشاركة في المؤتمرات والملتقيات الدولية، لا سيما تلك التي ينظمها الائتلاف الرياضي العالمي لنصرة القدس وفلسطين، والتي تتيح تبادل الخبرات وبناء شبكة علاقات دولية داعمة للحضور الرياضي الفلسطيني.

مشروع ثقافي لتوثيق الذاكرة الرياضية

وفي لفتة ثقافية، كشف العلي عن مشروعه الممتد منذ خمس سنوات في إعداد وتأليف مجموعة من الكتب التاريخية والتوثيقية، انطلاقاً من إيمانه بضرورة حماية السردية الفلسطينية وصون الهوية الوطنية وحفظ الذاكرة الرياضية للأجيال القادمة، مستلهماً في ذلك تجارب كتاب بارزين مثل عصام الخالدي، وأبو الجبين، وخالد عجاوي.

وتشمل النتاجات الفكرية التي يعكف على إصدارها قريباً كتاباً موسعاً بعنوان “الرياضة الفلسطينية: رؤية وطنية” والذي يقع في نحو 400 صفحة ويتناول البعد الوطني والتاريخي للحركة الرياضية، بالإضافة إلى كتاب “المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة في ربع قرن”، وكتاب “الدراجات الهوائية الفلسطينية: النشأة والتحديات والأمل”، إلى جانب مؤلفات دينية وفكرية تحمل عناوين “البعد الرياضي في الأحاديث النبوية” و”الرياضة: رؤية إسلامية”، فضلاً عن تجميع مقالاته وحواراته الإعلامية السابقة.

رسالة أمل وتضامن

وفي ختام حديثه، وجه العلي تحية إجلال للأهل والرياضيين الصامدين في قطاع غزة، والضفة الغربية، وكافة أرجاء الشتات، معرباً عن شكره لكل المدربين واللاعبين والإداريين الذين يعملون بصمت لخدمة الشباب الفلسطيني، ومثمناً دور موقع “صدى الشتات” في إتاحة هذه المساحة الإعلامية لمناقشة تطلعات الشارع الرياضي الفلسطيني.

موضوعات ذات صلة