تجسد الدكتورة الفلسطينية حنين خليل عاصي نموذجاً ملهماً للمرأة العربية التي لم تكتفِ بمراقبة معارك مرض السرطان القاتل، بل اختارت أن تكون في خطوط الدفاع الأولى لمواجهته؛ فمؤخراً كللت مسيرتها العلمية بنيل درجة الدكتوراه في أبحاث سرطان القولون من جامعة لوند العريقة في السويد، وهو المرض الذي يحصد أرواح الآلاف سنوياً، حيث حظيت أطروحتها بمناقشة رفيعة المستوى من قِبل نخبة من الأكاديميين المرموقين، يتقدمهم بروفيسور متخصص جاء خصيصاً من هولندا، إلى جانب لجنة تحكيم ضمت ثلاثة أساتذة وبروفيسورات من كبرى جامعات الدانمارك وستوكهولم ومالمو.
ولا تنفصل حياة الطبيبة الفلسطينية الشابة عن الواقع العملي، إذ تجمع شغفها بين دفتي الكتب وغرف العمليات، فهي تعمل بالتوازي مع أبحاثها السريرية كطبيبة جراحة في المستشفيات السويدية، وتضع حالياً اللمسات الأخيرة على مسيرتها التخصصية في الجراحة العامة تمهيداً لتخرجها نهاية العام الجاري، لتقدم بذلك مثالاً حياً على التناغم بين الممارسة الطبية الميدانية والبحث العلمي الأكاديمي، وهي فكرة ولدت وتطورت بناءً على نصيحة من أحد استشاريي الجراحة، لتتحول من مبادرة بحثية أولية إلى مشروع دكتوراه متكامل.
إن هذا النجاح الباهر لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة رحلة شاقة شقّتها بالصبر والإصرار في بيئة طبية سويدية مركبة، حيث يرى والدها بفخر واعتزاز أن طريق ابنته لم يكن مفروشاً بالورود، بل واجهت خلاله تحديات ثقافية ومجتمعية ومهنية عديدة استطاعت التغلب عليها بفضل التزامها وعزيمتها، لتثبت كفاءة الطبيبة الملتزمة وقدرتها على التميز في المغترب.
ولم تغب الهوية الفلسطينية ولا جراح الوطن عن هذا الإنجاز العلمي، إذ تحولت أطروحة حنين إلى منصة تحمل روح غزة وصمود أطبائها، بعد أن ضمنت بين صفحاتها رسالة مؤثرة خطّها طبيب من مستشفى العودة في القطاع، كما اختارت عاصي أن يزدان غلاف رسالتها بوردة الأرجوان الفلسطينية، لتكون رمزاً للحياة المتجددة وإيذاناً بانتصار العلم والأمل على قسوة المرض والواقع.