| | |

في نهر البارد… نازح من الجنوب يصنع من النزوح فرصة للرزق

تقرير: فاديا منصور

فرضت الحرب الأخيرة على لبنان على آلاف العائلات نزوح آلاف العائلات من منازلها في مناطق العدوان، والبحث عن مكان آمن يؤمن لها الحد الأدنى من الاستقرار لحين انتهاء الحرب.

ومن بين هؤلاء الشاب الفلسطيني محمود محمد حمودة، ابن بلدة عيتيت في جنوب لبنان، الذي وجد في مخيم نهر البارد أكثر من مجرد مكان للنزوح، بل بيئة حاضنة احتضنته وساندته ومنحته فرصة للبدء من جديد عبر مشروع صغير استطاع من خلاله تأمين مصدر رزقه ومواجهة تحديات المرحلة.

استقبال يعكس أصالة الفلسطينيين

يتحدث محمود عن الأيام الأولى لوصوله إلى مخيم نهر البارد، مؤكداً أن أهالي المخيم كانوا خير سند له ولعائلته. ويقول إنهم فتحوا له قلوبهم قبل بيوتهم، وهو ما ترك أثراً كبيراً في نفسه وجعله يشعر منذ اللحظة الأولى بأنه بين أهله وناسه.

ويرى أن ما لمسه من تضامن وتكافل يعكس الصورة الحقيقية للشعب الفلسطيني المعروف بكرمه وإنسانيته وقدرته على الوقوف إلى جانب المحتاجين مهما كانت الظروف. كما يؤكد أن هذه المواقف تثبت أن الفلسطيني ليس عبئاً على أحد، بل هو شخص قادر على الإنتاج والعطاء والمساهمة الإيجابية في المجتمع الذي يعيش فيه.

البحث عن فرصة بعد النزوح

قبل النزوح، كان محمود يعمل في أحد الأفران ويتمتع باستقرار نسبي في حياته المعيشية. لكن ظروف الحرب أجبرته على ترك عمله والانتقال إلى الشمال، ليبدأ رحلة البحث عن مصدر دخل جديد يعينه على مواجهة الأعباء المتزايدة.

ويشير إلى أنه حاول إيجاد حلول مختلفة لتأمين معيشته، حتى وجد فرصة لإطلاق مشروع خاص به بالتعاون مع شقيقه، ليكون هذا المشروع نقطة تحول مهمة في حياته بعد فترة من القلق وعدم الاستقرار.

مشروع صغير أعاد الأمل

يؤكد محمود أن المشروع الذي يعمل عليه اليوم شكّل فرصة حقيقية للوقوف مجدداً على قدميه، موضحاً أنه يعتمد مع شقيقه على تقديم خدمات بأسعار مناسبة تراعي الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الناس.

ويقول إن هدفه لم يكن تحقيق أرباح كبيرة بقدر ما كان تأمين مصدر رزق كريم والاستمرار بالعمل بجهد واجتهاد، مشيراً إلى أن الإقبال والدعم اللذين حظي بهما المشروع ساعداه على الاستمرار ومنحاه دافعاً إضافياً للتطوير والتوسع مستقبلاً.

أبناء المخيم شركاء في النجاح

ويشدد محمود على أن الدعم الذي تلقاه من أهالي المخيم كان عاملاً أساسياً في نجاح تجربته. فالشباب الذين تعرّف عليهم في نهر البارد قدموا له التشجيع والدعم المعنوي، وساعدوه على التأقلم مع حياته الجديدة بعيداً عن أجواء النزوح وما يرافقها من ضغوط نفسية واجتماعية.

كما يثني على أهالي حي السعسع الذين استضافوه ورحبوا به، وعلى أبناء حي الدامون الذين ساندوه عند افتتاح بسطته، مؤكداً أنه لم يواجه أي تضييق أو رفض، بل وجد تعاوناً ومحبة من الجميع، الأمر الذي جعله يشعر وكأنه يعيش في مخيمه وبين أفراد عائلته.

بين التمسك بالعودة والاستمرار في العمل

ورغم تعلقه ببلدته عيتيت ورغبته في عودة عائلته إليها، يرى محمود أن مشروعه في مخيم نهر البارد أصبح جزءاً من مستقبله المهني. لذلك يطمح إلى الاستمرار في تطويره خلال الفترة المقبلة، مستفيداً من البيئة الإيجابية والداعمة التي وجدها داخل المخيم.

ويؤكد أن الإنسان قد يضطر إلى الانتقال من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان أو الرزق، لكن الأهم أن يجد مجتمعاً يحتضنه ويمنحه فرصة للحياة الكريمة، وهو ما وجده بالفعل في نهر البارد.

وجّه محمود تحية وفاء إلى بلدة عيتيت التي نشأ وترعرع فيها، معبراً عن اعتزازه بالانتماء إليها وبالتضحيات التي قدمها أبناؤها. كما استذكر شهداء فلسطين ولبنان، مترحماً عليهم ومؤكداً أن التضحيات التي قدموها ستبقى مصدر فخر وصمود للأجيال القادمة.

وشدد على أهمية التكاتف والتضامن بين أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجودهم، معتبراً أن ما عاشه من تجربة في مخيم نهر البارد يمثل نموذجاً حقيقياً لوحدة المجتمع الفلسطيني وقدرته على تجاوز المحن ومواجهة التحديات.

تجربة محمود حمودة ليست مجرد قصة نزوح، بل نموذج للإرادة والصمود في مواجهة الظروف الصعبة. فبينما أجبرته الحرب على مغادرة منزله في الجنوب، وجد في مخيم نهر البارد بيئة احتضنته ودعمت مشروعه، ليحوّل تحديات النزوح إلى فرصة جديدة للعمل والاستقرار. وتبقى هذه التجربة شاهداً على روح التكافل بين أبناء الشعب الفلسطيني وقدرتهم على تجاوز المحن وبناء الأمل رغم كل الصعاب.

موضوعات ذات صلة